رواية نصف انسانة الفصل الثامن 8 – بقلم السيد عبد الكريم

← الفصل السابق 📚 قائمة الفصول الفصل التالي →

 رواية نصف انسانة الفصل الثامن 8 – بقلم السيد عبد الكريم

الفصل الثامن ..تروية ( نورا قاسم ) قراءة ممتعة
حينما أخبرني أبي أن شابا سيأتي لخطبتي الليلة غرقتُ في تفكيرٍ عميق ، مضطربة المشاعر مشتتة الأفكار كنت ، لا يكف عقلي عن التفكير :
ـ مين هو ده ؟! وشافني فين أصلاً ؟!
وضعتُ رأسي بين كفيّ وجلستُ على طرف سريري ، بينما طرقات والدي المتتالية تنهال على باب غرفتي كسيل غاضب ، تلك الطرقات المتعجلة التي تطلب مني التأهب ، وعقلي مازال يفكر :
ـ معقولة يكون حسام ؟!…. أكيد حسام … مش هو قال انه بيحبنى …واللي بيحب واحدة بيجوزها .
ارتيدتُ ثوبي ووضعتُ حجابي على رأسي وتوقعُتُ أن يكون الخاطب هو حسام ، طرقتْ زوجة أبي الباب ، ثم دلفتْ غرفتي وقالتْ بلهجة لا تخلو من الصرامة :
ـ اطلعى سلمى على خطيبك … وتروحى المطبخ تجيبى العصير تقدميه ليهم تقعدى معاهم خمس دقايق وتستأذني .
قلتُ في نفسي :
ـ خطيبي … انتى بسرعة كده خلتيه خطيبي …أيوه ما انتى عاوزه تخلصي منّي في أقرب وقت .
حينما فتحتُ باب حجرتي وتوجهتُ إلى الصالة رأيتُ أبي يجلس مع شاب أسمر طويل القامة مجعد الشعر دقيق الملامح يرتدى بذلة دون رابطة عنق وطبعا هذه ليست صفات حسام :
ـ هو ييجى ايه جنب حسام ووسامة حسام أصلاً .
هكذا حدثت نفسي بعد أن انقبض قلبي وخيّم عليّ سكون كسكون أهل المقابر ، لم ألقِ السلام عليهما من هول المفاجأة ، أسرعت إلى المطبخ مما جعل والدي يتعجب ويتنحنح في حرجٍ وهو يقول للشاب :
ـ نورتنا يا بني .
حملتُ العصير بعصبية وتوتر بعد أن نويتُ في نفسي أن أقدم العصير إليهما وانصرف مباشرة إلى غرفتي ، سرتُ بخطوات مترددة مضطربة كمَنْ تُساق لتُباع في سوق الجواري ، نظرتُ إليهما نظرة خاطفة لأحدد أين سأجلس ثم نظرت إلى العصير ، وقفتُ أمامهما بالقرب من والدي ولم يفتح الله عليّ بكلمة واحدة ، فقال والدي وهو ينظر نحوي نظرة عتاب :
ـ مالك يا نورا مرتبكة كده … يالا سلّمى على الباشمهندس .
سمعتُ الشاب يقول مسرعا :
ـ لا يا عمي سيبها براحتها ….نخلي السلام والكلام بحد بعد كتب الكتاب .
ردّ والدي بعد ضحكةٍ قصيرة :
ـ ما شاء الله على أخلاقك يابشمهندس .
جلستُ في غيظ وانتبهتُ لشيء ، هل والدي قال له ( ياباشمهندس )؟!
اختلستُ النظر مرة أخرى إلي الشاب فرأيته ينظر إلى والدي وهو يتحدث ثم ينظر إلى الأرض متحاشيا النظر نحوي ، ويمكن لطفل متوسط الذكاء أن يعرف أن الشاب لم يكن إلا المهندس معتز ( الميكانيكى ) ، هنا تذكرتُ مكة ، وبدأ عقلي يعقد مقارنة بين معتز وحسام ، حسام الذي تنطق كل دقة من دقات قلبي باسمه ، فهو الوحيد القادر على زلزلة كياني وزعزعة قلبي ، أرتعشُ فقط لمجرد سماع اسمه ، كم أحب هذا الشعور !
وتذكرته حينما كان يقول لي بابتسامته الجذابة :
ـ سيبي قلبك هو اللي يتكلم .
أخفيت ابتسامتي وعدت أفكر في المأزق الذي أنا فيه ، كيفَ أخرج من هذه الورطة دون أن يغضب والدي ؟!
أعتقد أن مكة هي من حدثته عني ، لكن كيفَ ؟
كيفَ ومكة لا تتحدث مع الشباب كما أخبرتني ؟!
لكن هو رآني عند مكة ، أنا واثقة من ذلك ، هنا انتزعتني يد والدي وهو يهزني قائلا :
ـ ولا إيه يا نورا ؟
قلتُ دون أن أعرف فيما كأنا يتحدثان :
ـ أه … فعلا … أصلاً.
كانتْ إجابتي بليغة كما ترون ، لذلك سمعتُ معتز يقول في وقار :
ـ يا عمي خلّى الآنسة نورا تستأذن … أنا كده كده مينفعش أقعد معاها ولا أتكلم معاها لوحدنا إلا بعد كتب الكتاب .
هنا فهمتُ أن والدي كان ينوي الاستئذان وتركنا لدقائق منفردين أنا ومعتز حينما قال ( ولا ايه يا نورا ؟) .
شعرت بأنهما يحددان مستبقاي وحياتي دون رأيي ،نهضتُ ودلفتُ إلى غرفتي ، خلعت حجابي وارتميتُ على سريري كشجرةٍ هوتْ بلا جذوع ، وبدأت في البكاء ، كان بكاء حارا مريرا ، ولم أعلم كمْ مرّ من الوقت ، لكنني سمعتُ خطوات والدي الذي قال حينما رأني أبكي :
ـ انتي بتعيطي ؟!
ثم سمعتُ زوجة أبي التي دلفتْ الغرفة إثره تقول :
ـ دي أكيد دموع الفرحة يا قاسم .
ـ الله يخربيتك يا مرات أبويا … انتي عايزه منى إيه بس .
قلتُها في نفسي وأنا أجفف دموعي ثم قلتُ :
ـ أنا مش عاوزه اجوز دلوقتي أصلاً .
أراد أبي أن يتكلم لكن لسان زوجة أبي كان أطول كعادته فقالتْ :
ـ هى البنت آخرتها إيه إلا الجواز يا حبيبتي … ولا ناوية تسمعينا الاسطوانة المشروخة بتاعت أنا هكمل تعليمي ودراستي .
استطاع أبي أن يوقف تيار كلامها الجارف فقال محاولا إقناعي :
ـ يا نورا دا شكله محترم ومؤدب وابن ناس … دا رفض يقعد معاكى لوحدك إلا بعد كتب الكتاب … شيخ جامع بقا في الاوقاف ومتعلم في الأزهر …. كمان معاه صنعة ومحل …يعني هيعرف يعيشك ويصرف عليكي .
قالتْ زوجة أبي في فرح :
ـ وأمتي كتب الكتاب يا قاسم ؟
قال أبي مبتسما :
ـ هو قالي إن زيارته انهارده ربط كلام … ولمّا عروستنا توافق هيجيب الست والدته يتقدموا رسمي ونحدد كتب الكتاب .
قلتُ ومازالتْ أثار الدموع في عينيّ :
ـ بس احنا منعرفوش أصلاً … إزاي هوافق عليه كده ؟
أجاب أبي في هدوء وقد نجح أن يسبق زوجته في الإجابة :
ـ ما أنا أكيد هسأل عنه قبل ما نوافق … ومتقلقيش مش هوافق عليه إلا بعد موافقتك .
قالتْ زوجة أبي مسرعة كأنها تعترض :
ـ موافقتها إيه يا راجل … طالما أبوها اللي يعرف مصلحتها موافق… يبقى هي توافق … ولا دماغك فيها حد تاني يا حبيبتي ؟
جملتها الأخيرة كانتْ لا تخلو من تلميحٍ واتهام ، فشعرتُ بالاهانة وتذكرتُ أمي وعم حسين ، ثم تذكرتُ حسام ، أنا لن أتزوج سوي حسام ، ولن أكون إلا لحسام ، وشعرتُ بدموعي تهطل ، فقال أبي وهو يجذب زوجته ويهم بالخروج :
ـ متعيطيش يا بنتي … فكري على مهلك وخدي وقتك … معتز ساب معايا ده تخليه معاكي .
قال جملته الأخيرة وهو يضع شيئا ما بجواري على السرير ، خرج ومن خلفه زوجته التي أوصدتْ الباب وحين جففتُ دموعي ونظرتُ إلى ما تركه أبي ، وجدتُ مصحفا صغيرا في حجم كف اليد .
مرتْ الأيام وكنتُ أهرب من البيت وأبدد الوقت في الجامعة والمحاضرات والتجول ، لم يظهر حسام ولا أحد من شلته ولا شيرين أيضا :
ـ طبعا … أكيد قاعدة عنده في الفيلا … دى عاملة إقامة كاملة أصلاً .
وفى البيت كنا نجلس حول مائدة الطعام متحاشية النظر إلى أبي وزوجته لأفوتَ عليهما فرصة فتح موضوع خطبتي ، لكنها لم يكفا عن الإلحاح عليّ ، كان أبي يلح إلحاح الناصح الحكيم الذي يعرف مستقبلي ، بينما كانتْ زوجة أبي تلح إلحاح مَنْ يريد التخلص منّي في أقرب محطة ، وكنتُ في كل مرة أرفض .
بعد أيام كنتُ في الجامعة ، تلقيتُ اتصالا من حسام فعادتْ رعشتي وارتباكي المحببان لدي وسمعته يقول :
ـ اطلعى دلوقتي قدام باب الجامعة .
قلتُ في غباء وفرحة :
ـ ليه … فيه إيه ؟
قال مسرعا في نفاذ صبر :
ـ اطلعى بقا يا نورا بسرعة .
سرتُ كالمسحورة وحين خرجتُ وجدته أمامي بسيارته الأنيقة ، سرعان ما فتح لي الباب وأشار إليّ في حركة استعراضية فجلستُ في المقعد الأمامي في تردد ، عادتْ تلك الأحاسيس تعمل في قلبي ، أدار حسام محرك السيارة ، وغبت أنا في هواجسي :
ـ يا ترى أقوله على موضوع معتز ولا بلاش ؟!
كنتُ شاردة بينما تنطلق بنا السيارة بعيدا بعيدا غير عالمة إلى أين نحن ذاهبان ، وعاد الرجلان اللذان بداخلي يتصارعان ، قال الرجل الذي يشدّني إلى اليمين :
ـ ايه اللي بتعمليه ده يا نورا ؟… مش كده حرام … مش كده انتى بتخونى نفسك وابوكى وعمك حسين .
بينما حدثني الرجل الذي يشدني لليسار :
ـ عادي يابت … ما هو شيرين بتعمل كده واكتر كمان .
الرجل الذي يشدّني لليمين قال :
ـ وانتي مالك ومال شيرين … ليه متبقيش زى مكة … ندوات وصلاة وحجاب وقراءة وثقافة وكمان بتحفظ القران لبنات الجيران .
ثم قال الذي يشدني لليسار :
ـ انتي مش بتعملي حاجة غلط يا نورا … كل البنات بتعمل كده …وهو بيحبك … وطالما بيحبك يبقى هيتجوزك .
أفقتُ من هواجسي حينما سمعتُ حسام يقول :
ـ ياه … كل ده سَرَحَان ! … بس عاوزك تصدقيه .
قلتُ مرتبكة :
ـ أصدق مين ؟
قال :
ـ قلبك .
توقفتْ بنا السيارة أمام إحدى الحدائق ، دلفنا للداخل وجلسنا على مقعدين حول منضدة ، طلب لي حسام مشروبا لم يكن إلا فراولة ، فقلتُ :
ـ هو أنت ليه بتحب الفراولة كده ؟
قال وهو يشرب أول رشفة من مشروبه :
ـ الفراولة اكتر ثمرة قريبة من شكل القلب .
قلتُ في جهل :
ـ إزاي يعني ؟
أجاب في استمتاع من جهلي :
ـ الفراولة بتفكرني بقلبي اللى ديما متعذب وهى مش حاسة بيه .
شعرتُ بتيار كهربي يسري في جسدي فنظرتُ إلى النيل والسماء ولم أتكلم ، وبعد أن انتهينا من العصير جذبني من يدي وقال :
ـ يلا بينا
قلتُ وهو يسحبني خلفه كطفلة :
ـ هنروح فين ؟
أجاب :
ـ تعالى بس هنركب المرجيحة .
ولم أدرِ بنفسي إلا وأنا بجواره في تلك ( المرجيحة ) التي كانتْ تصعد بنا عاليا فنرى الحديقة والنيل والأشجار من أعلي كأننا في الطابق العاشر أو كأننا طيور تحلق في السماء ، ثم تهبط بنا فجأة إلى أسفل فتهتز أجسامنا وقلوبنا ، وكنتُ كلما تأرجحتُ أو فقدتُ توازني كان يحوطني بذراعه ، وحينما انتهينا كنتُ أشعر بالدوار ، استرحنا قليلا على عشبٍ أخضر ، لم نتحدث كثيرا لكن أعيننا كانتْ تقول كل شيء ، وجذبني
مرة فقلتُ مسرعة :
ـ هنروح فين المرة دى؟
أجاب في مرح :
ـ هنلعب لعبة .
لم يمهلني فرصة الاعتراض ، لأنه اقتادني نحو حجرة محاطة بالستائر في وسطها سيدة تجلس على مقعد صغير وأمامها موقد نار ، شعرتُ بالرهبة فملتُ نحوه سائلة :
ـ إيه ده ؟!
أجاب وهو ينظر للسيدة :
ـ متخافيش .. تعالي بس .
قالها وهو يشدّني من يدي .
أشارتْ لنا السيدة فجلسنا على سجادة أمامها ، وهنا فهمتُ أنها عرافة ، فهمستُ لحسام :
ـ دا حرام أصلاً … محدش يعرف المستقبل غير ربنا .
قال هامسا :
ـ دى مجرد لعبة …اسمها لعبة المستقبل .
وضعتْ السيدة كف حسام بين يديها ، ألقت شيئا ما إلى الموقد ،فصعد دخان له رائحة محببة للنفس ومثيرة للمشاعر ، قالتْ العرّافة بعد أن ضيّقتْ عينيها لتوحي بالخطورة :
ـ قدامك القمر … فاتحلك قلبه .. هتكون أسعد البشر .. لو مخلص في حبه .
تسارعتْ دقات قلبي اثر سماعي ما قالتْه العرافة ، رغم أنى لا أؤمن بالأبراج ولا أصدق تلك التنبؤات وأعتبر كل هذا مجرد تخاريف وسخف ، سحبتْ السيدة كفي المرتعشة ونظرتْ في عينيّ نظرة اربكتني ، ثم حرّكتْ نار الموقد بقطعة خشب ودققتْ النظر نحوي في ثبات وقالتْ :
ـ قدامك كامين … ولازم تصدقي اللى على اليمين .
لم تزدْ السيدة كلمة واحدة وأنقدها حسام مالا وخرجنا ، وكنتُ أفكر في كلامها ( لازم تصدقى اللى على اليمين ) .
علمتُ مع مرور السنوات أنها كانتْ صادقة ، لكن عملت ذلك بعد أن فات الأوان .لأن حياتى هتصبح كوابيس
يتبع ….

•تابع الفصل التالي “رواية نصف انسانة ” اضغط على اسم الرواية

← الفصل السابق 📚 قائمة الفصول الفصل التالي →