رواية نصف انسانة الفصل الثاني عشر 12 – بقلم السيد عبد الكريم
لفصل الثاني عشر..يرويه ( حسام عبد المجيد )
ولدتُ ونشأتُ في الإسكندرية ، تلك المدينة التي تدفعك دفعا لأن تكون حالما مرهفَ الحس رقيقَ الحاشية ، نشأتُ في بيت فقير لأب وأم فقيرين ، كانتْ أحلامي صغيرة ، لكنها غير قابلة للتحقيق في ظل عمل أبي المتواضع ، أبي عبد المجيد يعمل صيادا على قارب أحد ( المعلمين ) ، المعلم رجب كبير الصيادين ، وفي منطقتنا يعمل تحت إمرته أكثر من عشرة رجال كلهم يخشونه ويوقرونه ويحتقرونه ويلعنونه في آن واحد ، كان أبي واحدا منهم ، نعم كان أبي عاملا لدي المعلم رجب .
مع شروق الشمس كنتُ أرى أبي يخرج إلى الشاطئ على قارب المعلم رجب ليعود مساء أو يبيت ليلته على الشاطئ طلبا للرزق ، وحصيلة ما كان يصيده أبي كان يبتاعه معلمه بنصف الثمن ، لماذا نصف الثمن ؟
لأن أبي لا يملك قاربا خاصا ولا تصريحا خاصا ، وفى الإسكندرية عشتُ عشر سنوات ، درستُ ولعبتُ وحلمتُ وتشاجرتُ فضَرَبتُ وضُرٍبت وركضتُ مع أقراني واصطحبني أبي في ساعات عمله مرات كثيرة .
ذات ليلة أخبرنا أبي أننا سنترك الإسكندرية إلى القاهرة ، فسمعتُ أمي تقول في تعجب واعتراض :
ـ تسيب شغلك هنا وتروح القاهرة … طيب نعيش إزاي ؟
أجابها أبي في هدوء وثقة :
ـ متقلقيش … هنعيش وهنعيش وهنعيش .
وهذا هو الذي لم يحدث .
في القاهرة عشنا في شقة متواضعة في حي فقير ( حارة سد ) ، كانتْ شقتنا حجرتين في ( البادروم ) ، وهنا ولولتْ أمي قائلة :
ـ بقا تسيب رزقك وشغلك وتجيبنا نعيش في السجن ده .
قال أبي بنفس الثقة التي حدثها بها في الإسكندرية :
ـ اصبري على رزقك يا أم حسام … دا أنا هعيشك فى قصر .
وكان على حق هذه المرة .
فقد حدث تغيير مفاجئ رهيب لم يكن في حسباني ، انتقلنا إلى فيلا ، نعم فيلا في أحد الأماكن الراقية بالقاهرة ، وتبدّلتْ حياتنا من الفقر وقسوة المعيشة إلى الرخاء وسعة الرزق ، لم أسألْ نفسي وقتها كيفَ صار أبي من الأثرياء فجأة ، وهل هذا سؤال ؟ّ!
المهم أنني سأعيش ، سأري الدنيا ، سأحلق فوق السحاب ، سألبس ، سأتبختر ، سأمرح ، سأصيع ، سأبرطع ، سأتسكع .
اشتري لي أبي دراجة كهربائية ، أغدق عليّ الأموال ، وصرتُ أقول ماما بدلا من أمي ، وبابا بدلا من أبي ، أنا ابن الحارة الشعبية وجدعنة الإسكندرية صرتُ ارستقراطيا مدللا ، جلب لي أبي مربية تعلّمني كيفَ ألبس بحساب وأتحدث بحساب وأتناول الطعام بحساب وأشرب بحساب وأتنفس بحساب ، لابد أن تكون مثل أبناء الأثرياء يا حسام ، هكذا كان يخبرني أبي ، أمّا جيراننا فعاملوننا على أننا ولدنا أثرياء مثلهم .
كنتُ ألعب في حديقة منزلنا الواسعة ، ذات مرة ركلتُ الكرة لتطير إلى حديقة الفيلا المجاورة ، ولأنني صرتُ ( بيك ) صغيرا مهذبا ، لابد أن أطلب الكرة من الجيران بأدب جمّ بعد أن اعتذر لهم ، وسمح لي البواب بالدخول ورأيتُ فتاة شقراء ، ابنة العشر سنوات ، تقريبا في مثل سني ، كانتْ وحيدة أبويها وكنت وحيدَ أبوي ، فصرنا أصدقاء ، نلعب ونركض ونضحك ونذاكر ونذهب إلى النادي ، لم تكن هذه الفتاة إلا شيرين ، وهذا كله أدي إلى تعارف الأسرتين .
اعتدتُ حياة الترف والثراء وشربتُ كل عادات الأثرياء بسرعة ، كنتُ أفخر بنفسي حينما كان البواب يناديني بصوت مسلوخ ( حسام بيه ) وتسمّيني الدادة بـ ( البيه الصغير ) ، وحين تقف خلفي خادمة نحيفة مصابة بفقر الدم تنتظر أن أفرغ من طعامي ، أحببتُ هذه الحياة ، الشيء الوحيد الذي كنتُ زاهدا فيه كل الزهد هو التعليم ، أقصد التعليم الخاص ، أبناء الذوات يعلّمون أولادهم تعليم خاص أجنبي ، رفضتُ أن التحق بتلك المدارس ( الانترناشونال ) واللغات ، وقررتُ أن أسير مع المقادير ، في الجامعة كانوا يطلقون علي الدنجوان ، الوسيم ، الثري ، وتلك هي مزية أن تكون ثريا ثراء فاحشا بالجامعات الحكومية ، أنت مميز بين أقرانك في نظر أقرانك ، مميز بأموالك وسيارتك وهندامك وكل شيء ، كنتُ حريفا ماهرا في صيد البنات ،
ومن تلك الفتاة التي تستعصي على الدنجوان ؟
والفتيات الآنسات العذارى يسقطن أرضا أمام الوسامة والمال ، وكنتُ أملك هذين السلاحين ، خضعتْ أمامي فتيات وفتيات ، إلا فتاة واحدة ،
نـــورا …
تلك الرقيقة الجميلة التي ظهرتْ في الجامعة فجأة ، كنتُ أعتقد أنها ستقع في شباكي من الوهلة الأولي ، فهي كما بدا لي فقيرة ، فقيرة المال وفقيرة الخبرة ، وفقيرة القلب ، فبدأتُ في استخدام سلاح الرقة ، سلاح النظرات والتلميحات ، اللقاءات العابرة ، لكنها لم تستلم ، إذن جاء دور المال ، حتما ستستسلم أمام المال ، اشتريتُ لها حذاء وهاتفا أنيقا وكنتُ متوقعا أن أنال كل ما أريد في ذلك اليوم ، لكنها رفضتْ ،
هل أحببتها ؟
لاشك أنني أعجبتُ بها بسبب إصرارها الدائم على عدم الاستسلام ، جعلتها تعتاد على وجودي وقربي ، ثم قررتُ فجأة أن أغيب وابتعد واصطنع الجفاء والتجاهل واقترب من شيرين ، حتى أشعل في قلبها الغيرة وقد حدث .
في حفلة افتتاح أبي لشركته الجديدة دعوتها ، وخططتُ أن أجعل شيرين هي الطعم ، وكادتْ الخطة أن تنجح ، رقصتُ مع شيرين وأوليتها اهتمامي وحدث ما توقعته ،
غادرت نورا الفيلا .
تريثتُ قليلا كي تنشب النيران في قلبها ، ثم تبعتها ، وجدتها تبكي منهارة في الشارع ، جذبتها في سيارتي وبدأتُ أضع اللمسات الأخيرة من خطتي ، لكنها لم تستلم ، حينما تركتها أمام الجامعة وعدتُ إلى الحفل انتحى بي أحمد جانبا وقال :
ـ ما تسيبك بقا من البنت دي .
قلتُ في هدوء وتحدٍ :
ـ لا طبعا .
قال وهو يأكل قطعة من الشيكولاته :
ـ حرام عليك …باين عليها طيبة وانت علّقتها بيك أوي .
قلتُ وأنا أنهض وأدور حوله كمحقق بوليسي :
ـ هو ده المطلوب … أنا عايز ابقي كل حاجة في حياتها … لحد ما تخضع .
قال في لامبالاة :
ـ بس أنت جربت معاها كل الخطط يا دنجوان … استسلم انت بقا وسيبها فى حالها … البنت واخدة موضوع الحب ده بجد .
قلتُ في غضب :
ـ مالك يا أحمد … هي صعبت عليك ولا إيه … ولا تكونش حبيتها .
قال وهو يرشف رشفته الأولي من كوب عصير :
ـ حبيتها إيه يا عم … أنا بس صعبان عليا مجهودك ده معاها … وانت عارف إن فيه بنات كتير هتيجي سكة من غير مجهود .
قلتُ في تفكير :
ـ مبقتش استمتع بالبنت اللى تيجي سكة من أول مرة … بحس انها سلعة رخيصة … ضحكة وعزومة وتبقي تحت أمري … لكن نورا عشت معاها دور الصياد … وأحيأنا صيد الفريسة بيكون ممتع أكتر من الفريسة نفسها .
قال وهو يضع كوب العصير على منضدة أمامه :
ـ بس انت يادنجوان خلّصت عليها كل خططك …رقة … عزومة … فلوس … ويبدوبك بعد كل ده مسكت ايدها بس .
قلتُ بعدما جلستُ بجواره :
ـ لسه فيه خطة أخيرة .
سال سريعا :
ـ خطة إيه ؟
أجبتُ وأنا أشعل سيجارة :
ـ خطة اللى يروح ميرجعش .
بعد يومين تسللتُ إلى مكتب أبي ، سرقتُ أحد المفاتيح الخاصة به ، مفتاح شقة المخزن ، هذه شقة مقدسة بالنسبة لأبي ، لا يقابل فيها أحدا ولا يعقد فيها صفقات ولا لقاءات ، وأمي تعلم أنها يستخدمها كمخزن ، لكن أبي يكذب ، لماذا ؟
يا له من سؤال !
أعدتُ المفتاح إلى مكتب أبي بعدما استخرجتُ منه نسخة لنفسي ، وذهبتُ إلى الشقة التي كنتُ أعتقد أنها مخزن ، لكنني وجدتها شقة مفروشة أنيقة بالطابق الخامس ، دلفتُ إليها في توجسٍ وحذر ، وجلستُ في الصالة ، صالة واسعة مريحة محاطة بالستائر ، بها أكثر من أريكة وأكثر من مقعد تجولت غرفها واحدة وتلو الأخرى، لا يوجد ما يدل على أنها مخزن ، وما أثار دهشتي أنني وجدتُ في أحد دواليب حجرة النوم شعرا مستعارا ( باروكة ) ، وحينما دققتُ النظر رأيتُ شاربا مستعارا ، وهنا بدأت أفكر :
ـ لماذا لم يحضر أبي لزيارتي في المستشفى حينما أجريت العملية الجراحية ؟!
لماذا غادر أبي سريعا ليلة حفل عيد ميلادي ؟!
ـ لماذا أكمل أبي حفلة افتتاحه للشركة بالطابق الثاني مع أصدقائه ؟!
إجابة هذه الأسئلة بها شيء مشترك ،
نورا….
نعم نورا هي الشيء المشترك في كل الإجابات ، لقد غادر أبي سريعا ليلة حفل ميلادي بعدما رأي نورا ، ولم يستكمل حفل افتتاح شركته معنا حينما صافحته نورا ، ولقد رأيتُ التوتر باديا على وجهه وهى تصافحه ، لم يحضر أبي إلى المستشفي لأن نورا كانتْ هناك ، لماذا يخشى أبي مقابلة نورا ؟!
هل هو يعرفها ؟!
هل هي من أحد جيراننا القدامى بالإسكندرية ؟!
لا أعلم .
ربما هي ابنة لأحد الرجال الذين نصب عليهم أبي أو طردهم من الشركة ، لا أظن ، لكن أنا أعلم طباع أبي ، أعلم أنه يدوس أي إنسان يقف أمام نجاحه وتجارته ، أذكر ذلك اليوم الذي جاء فيه أحد الفقراء إلي الفيلا متوسلا لي ولأمي بأن يعيده أبي إلى الشركة ، أذكر شوكت بيه حينما توسل لي أن أتوسط له عند أبي ليسمح له بعرض بضاعته في السوق .
أعتقد أن والد نورا موظفا في شركة أبي وأنه يملك أوراقا تدين أبي أو يعرف بعض أسرار صفقاته المشبوهة .
قررتُ أن أنفذ خطتي في شقة أبي هذه ، ودعوتُ نورا للحضور ، وكنتُ في لهفة وشوق ، حينما حضرتْ كنتُ متأكدا أنها لن تستسلم ، لكن لا بأس ، قطرة منوّم واحدة في العصير ستفي بالغرض ، فعلا لم تستسلم وطلبتْ المغادرة ، فوافقتها وتحججتُ بإحضار مفتاح السيارة ريثما تشرب هي العصير ، طبعا لن أترك فرصتي الأخيرة تضيع ، قدمتُ لها المشروب ، ودون تفكيرٍ منها ، وبكل حماقة توالتْ رشفاتها ليختل توازنها شيئا فشيئا وفقدتْ الوعي .
الآن أنا امتلكها ، أمتلك قلبها وجسدها وأنفاسها وروحها ،
يا له من شعور !
لذة الانتصار ، لذة قنص الفريسة ، سأعلمها الأدب فقط ، سأعلمها أن الدنجوان لا يُهزم ، حملتها بين ذراعي بعدما خلعتُ حذائها ، ثم دلفتُ بها إلى حجرة النوم ، وبينما أنا أدنو بها من السرير تثبتَ طرف ثوبها الأسفل في زاوية السرير فتمزقتْ قطعة صغيرة منه ، وبعد دقيقتين كنتُ أزيل دبابيس حجابها ، كانتْ مثل الملاك النائم ، ذلك الوجه المستدير الأبيض الناعم المتمليء ، ذلك الفم الدقيق الموجز المختصر ، تلك الحواجب السوداء المرسومة بعناية ، ذلك الأنف المستقيم في شموخ ، كل ذلك الجمال البكر دون بقعة مكياج واحدة ،
يالها من غنيمة باردة !
نزعتُ حجابها في لذة غريبة ، فظهر شعرها المموج القاتم الداكن كالليل ، رحتُ أتأمل ذلك الجسد المسجي أمامي على السرير ، اعذريني يا نورا ، إصرارك العجيب هو من جعلني أفكر في هذا ، ولو أنك قبلتي الاستسلام من بداية الأمر كغيرك مما عرفتُ من البنات لكنتُ اكتفيتُ بقبلات طويلة صامته وأحضان دافئة ساخنة ، مددتُ يدي إلى ثوبها وأنا أقول بصوتٍ مسموع :
ـ هعمل اللى كنتي منعاني منه يا نورا .
فسمعت صوتا يهمس بأذني اليسرى :
ـ مش هتلحق .
انتفضتُ من فوري متوترا وجلتُ بنظري في أرجاء الغرفة ، وتيقنتُ أنني أتوهم ، خرجتُ من الغرفة وتجولت بقية الغرف ، لا أحد فى الشقة سوأنا ، عدتُ الى غرفة النوم مرة أخرى ، وعدتُ أمدّ يدي نحو ثوبها من الأسفل ، فسمعتُ الصوت مرة أخري :
ـ قلتلك مش هتلحق .
كان الصوت هذه المرة واضحا ، وكان توتري أكبر ، نظرتُ أمامي فرأيتُ رجلا أسمر الوجه نحيل الجسم مقوس الظهر ينظر لي في ابتسامة دون أن يتحدث ، ابتسامة ساخرة متهكمة فيها إصرار، وقفتْ شعيرات رأسي رعبا وتراجعتُ خطورة للوراء أرتعش ، كان الرجل ثابتا ينظر نحوي بثقة وتحدٍ ، أنا لستُ واهما ، الرجل لم يختفِ ، إن ما أراه حقيقة وليس خيالات ، أوليته ظهري وسرتُ نحو باب الغرفة لأفتحها وأهرب ، فرأيته يقف أمام الباب ليمنعني من الخروج ، تراجعتُ للخلف ناحية السرير وأنا أحاول أن أخرج الكلمات من فمي ، سقطتُ على الأرض وأنا أقول في هلع :
ـ سيبني أخرج .
وجه الرجل يبدو مألوفا لدي ، أنا واثق أنني رأيته من قبل ، لكن أين ؟
كانتْ نظرات الرجل ثابتة ثاقبة واثقة ، وكانتْ شفتاه تنفرجان عن ابتسامة خفيفة ، ثم اختفي ، نهضتُ مسرعا وتوجهتُ ناحية الباب للهرب ، فظهر من جديد ليمنعني من الخروج ، توسلتُ إليه وبكيتُ ووضعتُ يدي على قلبي من الانفعال ثم فقدتُ الوعي .
لم أعرف كمْ مرّ من الوقت حينما أفقت ، لكن ساعتي البيولوجية أخبرتني أنه فات خمس عشرة دقيقة تقريبا ، كانتْ نورا غائبة في سبات عميق كالموتى ، نهضتُ متوجسا متوقعا أن يظهر ذلك الرجل مرة أخري ، سرتُ ناحية الباب ، لم يظهر الرجل ، وما إن دخلت الصالة ورأيتُ باب الشقة أسرعتُ نحوه وقفزتُ خارجا إلى السلم ، كنتُ أهبط الدرج مسرعا كمن يطارده الجحيم .
يتبع
•تابع الفصل التالي “رواية نصف انسانة ” اضغط على اسم الرواية