رواية حي المغربلين الفصل الثاني 2 – بقلم شيماء سعيد

← الفصل السابق 📚 قائمة الفصول الفصل التالي →

 رواية حي المغربلين الفصل الثاني 2 – بقلم شيماء سعيد

أمام القهوة الخاصة بجليلة.

بدأت صرخات النساء ترتفع بالمكان و صوت رجل غليظ مسيطر على الموقف، قام الحاج منصور من مكتبه بالوكالة على أثر نداء استغاثة به، خرج بوقاره المعروف لتختفي بعض الأصوات إحتراما و تقديرا لكبير الحي.

على الجانب الآخر سقط شاب في أوائل العشرينات من كثرة الضرب المبرح، معالم وجهه تكاد لا ترى بالعين ليغلق عينيه مستسلما لذلك الثور.

زفر الحاج منصور بضيق من تصرفات كارم و عابد الذي يدافع عنه دائماً من باب الصداقة، وقف خلف كارم الذي كان صدره يعلو و يهبط من المجهود المبذول بتأديب أحمق أبتسم بوجهه إبتسامة سخيفة.

ألقى بالآخر على الأرض قائلا بصوت غليظ:

_ بقى كارم الريس حتة عيل زيك *** يضحك و أنا معدي ياض؟!

_ كارم.

أخذ نفس عميق و هو يلعن نفسه للمرة المليون، نظر بعينيه إلى صديقه عابد ليكون داعم له إلا أن الآخر رفع يده بقلة حيلة، دار بوجهه المتصبب عرقا للحاج منصور قائلا بنبرة مرحة:

_ الحاج منصور سيد الناس كلها، كل واحد يدخل بيته مش عايز كتر كلام و العيل ده شوفوا إبن منين ياخدوه المستشفى، بينا على القهوة يا حاج نتكلم براحتنا.

ذهب سريعا من أمامه لقهوة الست جليلة، لو ظل ثانية واحدة لكانت كرامته حديث الحارة أشهر من كلمات الحاج منصور، يعتبره والده أو هو بالفعل والد له و لأي شاب و فتاة بحي المغربلين.

أساس الحي العائلة الجناح شيوخ العطارين و عائلة المسيري قبل أن يرحلوا من الحي و تعود إليه جليلة بعد وفاة والدها.

جلس الحاج منصور على المقعد المجاور له مردفا بضيق به بعض الغضب:

_ جرا إيه يا زفت هو مفيش ليك كبير و الا إيه؟! كل يوم و التاني خناقة و بوليس خلاص قعدة السجن جات على مزاجك.

حرك رأسه يمينا و يسارا بتعب قائلا:

_ و الله يا حاج أنا المرة دي مظلوم لو تعرف الولد دة عمل إيه هتقوم تكمل عليه.

بسخرية سأله :

_ عملت إيه يا غلبان و الدنيا جاية عليك؟!

حمحم و هو يحرك يده على خصلاته السوداء الناعمة مجيبا:

_ كنت معدي أنا و الواد عابد يروح ابن ***** ضحك من غير أي إحترام.. بيقلل من كارم الريس يا عم منصور.

للحظات ظن أن منصور فقد النطق أو حدث له أي مكروه، ليقطع الصمت صوت عابد الغاضب:

_ لحد امتا هتفضل متهور بالشكل ده واحد و ضحك يعنى هيكون شتمك، أنت عملت ايه في أبويا يا جلاب المصايب؟!

أردف بسؤاله الأخير على صمت الحاج منصور المريب، ضرب منصور بيده فجأة على الطاولة قائلا:

_ قوم يا حيوان أنت و هو من هنا بدل ما اخلي الكل يضحك عليكم النهاردة مش نفر واحد.

خرجوا بنفس الثانية ليسند بظهره على المقعد ببعض الإرهاق، رفع يده يمر بها على أعلى رأسه يخفف من حدة الصداع، لولا انتظاره لمحبوبة قلبه لكان عاد إلى منزله..

بعد مرور أكثر من ربع ساعة دلفت إلى القهوة بطلتها الخاطفة لأنفاسه، رائحتها الفطرية المميزة البعيدة عن أي عطور تأخذ بها قطعة من روحه، أغلق عينيه مستمتعا بالياسمين الصافي المريح للروح قبل الجسد.

بقلق كبير اقتربت منه قائلة:

_ حاج منصور أنت كويس ياخويا؟!.

سؤالها عنه يعطي له مزيج بين الحب و التوتر و كأنه مراهق بأول سن البلوغ، كلمتها الأخيرة يكرها لحد الجنون ( أخويا) لتقول.. تقول حبيبي سيكون الأمر أكثر من رائع و مميز.

فتح عينيه على وجهها الذي يحفظه بقلبه من أكثر من ثلاثون عاما، طبق من الحلوى البلدي الأصيلة مهما تذوقت منها زادت رغبتك بها، بابتسامة صافية و صوت يشوبه الحب أجابها:

_ حد يشوف البدر في عز الشمس و يكون في حاجة، كفاية عليا عيونك يا جليلة فيها الدنيا كلها بالنسبة ليا..

آه و ألف آه من حديثك المعسول و نظرات عينيك العاشقة، يا ليت الزمن يعود بها لتبقى معه بين أحضان حبه للنهاية، دارت بوجهها بعيدا عنه تأخذ أنفاسها المسلوبة منها قائلة بجمود تخفي به مشاعرها:

_ كويس إنك بخير يا حاج..

بزفرة تعب مع تنهيدة عميقة أخذها ليسيطر على أفعاله مردفا بقلة صبر :

_ حاج إيه يا جليلة أنا منصور، نسيتي منصور؟!

تركته و صعدت لتجلس على مكتبها قائلة بصوت مرتفع:

_ قهوة الحاج منصور يا واد يا زكريا.

______شيماء سعيد______

_ و بكدة تكون الحقيقة واضحة أمام الجميع و إنتهت القضية بالشكل الصحيح مع نهاية حلقتنا في برنامج هاجر كلمة حق مع هاجر علوان أشوفكم على خير.

إنتهت حلقة البرنامج الخاص بها بعد غياب دام ستة أشهر خارج البلاد، قامت من مقعدها الذي دفعت ثمنه الكثير من سنوات عمرها، نظرات الجميع تطاردها منها المذهولة بجمالها و منها الحاقدة على النعيم الغارقة به.

جمالها تكرهه لأنها و بكل بساطة أصبحت أسيرة لحيوان ضعف عمرها لمجرد أنها جميلة فقيرة، بكبرياء و ثقة شديدة بالنفس مرت من أمام الكل لتخرج من المكان.

تختنق من فكرة رؤيتها إلى مصدر رعبها، من يصدق أن هاجر علوان كل قوتها و جرائتها على شاشة التلفزيون ضعيفة خائفة أمامه، بعد مرور ساعة كانت أمام قصره بأمر منه لرؤيتها لأنه و بكل سخافة مشتاق إلى جاريته.

ابتلعت ريقها الجاف بتوتر ثم دلفت إلى غرفة مكتبه تقدم ساق و تؤخر الآخر، لمسة واحدة منه كفيلة تجعلها تتقزز من جسدها عام..

يجلس على مكتبه بكل وقار و هدوء منتظر قدوم حبيبته التي فعل المستحيل من أجلها، يعلم مدى كرهها إليه و لكنها لا تعلم مدى حبه و تعلقه بها، دار بالمقعد ليعطي وجهه لها مبتسماً..

بطرف أصابعه أشار إليها بالاقتراب منه و الجلوس على قدمه مثل عادته، نفذت أمره فالخيار ليس له علاقة بحياتها مع فوزي الخولي، أخذت يده تتمتع بأكثر لحظة لذيذة مثيرة إليه، رجفة جسدها و الخوف المرسوم على ملامحها بمفرده متعة غير قادر على وصفها.

قرب أنفه من خصلاتها السوداء يتنفسه مهمهما بلذة عالية، لف أصابعه على قصتها القصيرة قائلا بهمس مخيف:

_ الحمل نزل يا هاجر؟!

تجمد جسدها برعب و ظهر هذا عليها جدا قبل أن تحرك رأسها مجيبة بتوتر و همس يكاد يكون مسموع:

_ أيوة البيبي نزل يا فوزي بيه، قتلت ابني عشان عشان حضرتك عايز جارية مش زوجة مجرد خاضعة مش أكتر، تؤمر بحاجة تانية؟!

قهقه بنبرة ليس لها أي علاقة بالمرح يخيفها قربه و يرعبها صمته، أنفاسه تحرق بشرتها حتى لو عبارة عن هواء مثلج، أغلقت عينيها مع إقتراب شفتيه منها مقبلا شفتيها بنعومة باردة لا تمثل طريقته السادية الشاذة أبداً، إبتعد عنها بعد فترة قائلا ببرود:.

_ موت الطفل دة معناه إنك لسة ليكي عمر في الدنيا يا روحي، حياتنا ترجع لذيذة و كلها مغامرات و متعة بعيدا عن الأولاد و القرف، بس ليه قعدتي هناك المدة دي كلها يا هاجر؟!

بعدت نظرها عنه قائلة بهدوء:

_ قولت آخد إجازة من كل حاجة حتى الشغل باعتذر لو ده سبب ليك ضيق أو إزعاج حتى لو بسيط.

تخلخلت أصابعه إلى أعماق شعرها مردفا بهدوء:

_ لا يا روحي مفيش اي إزعاج كفاية إنك كنتي مبسوطة المدة دي، و كمان خللي جسمك يرتاح شوية من تعب الفترة اللي فاتت، رغم كل حاجة يا هاجر أنا بحبك و جداً كمان إنتي الست الوحيدة اللي ليها مكانة في قلبي و بستمتع في حضنك، لو فضلتي كويسة كدة إحتمال أعلن جوازي منك و تفضلي مراتي طول العمر، دلوقتي بقي أوضة حب فوزي الخولي محتاجة ست و الست دي لازم تكون أنتي..

ترقرقت الدموع بعينيها قائلة بصوت ضعيف:

_ و أنا تحت أمرك.

_______شيماء سعيد_______

بحى المغربلين الشقة الخاصة بجليلة.

بالمساء تجلس فريدة بحزن شديد بجوار فتون على فراشها، تحمل بداخلها ذنب كبير تجاه جليلة و بنفس الوقت هي مشتاقة إلى شقيقها فاروق، ابتلعت لعابها قائلة لفتون بتوتر:

_ فتون أقولك أنا كنت فين الصبح بس أوعي جليلة تاخد خبر.

أومأت لها الأخرى بحماس و إهتمام شديد لتكمل فريدة حديثها:

_ أنا روحت شركة المسيري عشان أقابل أبيه فاروق بس طلع مسافر..

انتفضت فتون على أثر حديث فريدة غير منتبهة لجرس المنزل، إذا علمت جليلة ستكون العواقب وخيمة، فاروق و جليلة عبارة عن شعلة من النيران تحرق الأخضر و اليابس، ضربت على صدرها بحركة عفوية قائلة:

_ يا لهوي يا فريدة لية كدة آخر مرة جليلة رفضت الكلام معاكي أكتر من شهر، فاروق أصلا إحنا برا أي حساب له… ليه تقللي من نفسك بالشكل ده؟!

ردت عليها فريدة بضيق:

_ فاروق أخونا يا فتون بيحبنا زي جليلة بالظبط، مش ذنبه إن بابا كتب كل حاجة له و إحنا لا و خصوصاً جليلة اللي كانت شايلة كل الشغل معاه خطوة خطوة، فاروق عايزنا نعيش معاه و يدي لينا كل حاجة حتى قالي إنه ممكن يعمل ليا برنامج خاص لو عايزة و ينشر ليكي في أحسن دار نشر، المشاكل بينه و بين جليلة إحنا مش فيها خالص بقى..

هتفت فتون بغضب من توأمها الحمقاء:

_ و هو عرف إننا عايزين كل ده منين؟! منك صح؟! أنا بجد زعلانة منك يا فريدة.. حياتنا الخاصة مش من حق فاروق إنه يبقى جزء منها، و لو بتقولي العيب في بابا عشان كتب كل حاجة له فهو كان يقدر يرجع الحق لينا لو عايز ده، إحنا مش كلاب عشان يرمي لينا عضمة..

قطع حديثهم دخول جليلة المفاجئ بإبتسامة سعيدة من الأذن إلى الأذن، ثم أردفت و هي تقول لفريدة بسعادة أم لابنتها:

_ كبرتي يا فريدة و بقى ليكي عرسان، حضري نفسك الحاج منصور و إبنه عابد برا في الصالون، عابد طالب إيدك يا بيضة.

جسدها يرتجف من الرعب كأنها بشهر ديسمبر، لا تشعر بما يحدث حولها… العالم خلفها بوادي و هي بوادي آخر، لا يصل إليها أصواتهم أو أي كلمة تخرج منهن.

نظرات الشفقة بعين نساء العائلة و الغل الواضح بتعبيرات صفية ترى أمام عينيها حقيقة غير قادرة على تصديقها، عثمان فر هارباً بليلة ظلت تحلم بها معه منذ نعومة أظافرها..

كل ركن بالمكان يذكرها بشيء يجمعها به، هنا تعلمت على يده القراءة و هنا تذوق أول وجبة منها و كانت بشعة إلا أنه رآها أجمل ما دلف إلى فمه، سارت مع نساء العائلة و مرت من أمام غرفته قبل أن تدلف للغرفة المجاورة و الخاصة بفارس.

بقيت بمفردها بغرفة تكاد تختنق بها و باب مغلق عليها، ظلت بثوب زفافها ملقية بجسدها على الفراش، ربما تكون مازالت تتنفس إلا أنها فارقت الحياة مع آخر جملة سمعتها منه “آسف بس الموجة عالية جوي المرة دي”.

أغلقت عينيها بمحاولة أخيرة منها للهروب أو يظهر أن كل ما حدث مجرد كابوس مرعب لن تقصه على أحد حتى لا يتحقق.

بخفوت أغلق باب الغرفة خلفه، تحول من شقيق العريس و شاهد على عقد الزواج إلى العريس نفسه، خطف نظرة سريعة لها قبل أن يدلف للمرحاض، تائه لا يعلم ماذا يفعل أو على الأقل ما يحدث حوله.

بعد عشر دقائق أردف بصوت هادي:

_ فرحة أنا عارف إنك صاحية لازم نتكلم.

ارتجفت أصولها… هم بالصعيد و هذه من المفترض ليلة زفافهم، أخذها عقلها إلى مكان بعيد لتصرخ بكل قوتها و هي تنكمش بآخر زاوية بالفراش:

_ فارس أنا فرحة بنت عمك و حبيبة عثمان أرجوك بلاش تعمل أي حاجة تكسر اللي باقي مني، أنا تعبت أوي النهاردة و مش قادرة أتحمل كل ده. 

جلس على الطرف الآخر من الفراش بنفس هدوئه، حياته الفنية علمته التمثيل بشكل جيد حتى بأصعب الأوقات، إبتسم بوجهها قائلا:

_ متخافيش يا فرحة إنتي أختي مش بس بنت عمي، اللي حصل تحت ده مش عيب فيكي ده إنقاذ سمعة عيلة كاملة، مش مطلوب منك تعملي أي حاجة ربنا العالم إنتي عندي إيه زيك زي هادية أختي بالظبط، نامي على السرير و أنا على الأرض بكرا لازم تنزلي معايا القاهرة عندي تصوير، الواحد مش قادر يتكلم خالص النهاردة.

لم تصدق ما قاله اتسعت مقلتيها بذهول منه و من حنانه، يا ليت لديها بالفعل شقيق مثله و بعقله، أشارت إلى الشرفة المفتوحة و الناس بالخارج مردفة بتوتر و خوف:

_ طيب و الناس اللي تحت دي هتعمل فيهم إيه يا ولد عمي؟!

فتح ذراعيه لها لتحدقه بتردد قبل إن يشير إليها بالاقتراب قائلا بصوت خشن:

_ تعالي و متخافيش يا فرحة. 

ألقت بجسدها داخل أحضانها باكية ليلة العمر أصبحت رماد، حرك يده على ظهرها بهدوء يبث بعض الأمان بها رغم رعبه على أخيه و على ما هو قادم، بهمسة ضعيفة أردفت قبل أن تستسلم للنوم:

_ عثمان مستحيل يتخلى عني يا فارس صح؟!

تأكد من نومها ليريح جسدها على الفراش و هو يبتسم على نفسه بسخرية من بقائها بثوب الزفاف، أخرج من خزانة الملابس سلا*حه الخاص و ذهب به إلى الشرفة، أنتهى من كل شيء و أخذ وسادة مع شرشف خفيف دثر جسده به قائلا بسخرية:

_ عجباً لك يا زمن بقى فارس المهدي أول ليلة له مع مراته تكون فرحة و كمان نايم على الأرض مكان الجزمة.

______شيماء سعيد______

تقف خلف باب غرفتها تسمع أحاديثهم بالخارج ضحكته المعبرة عن سعادته مثل السم القاتل لها، رفعت هاتفها لترى رسالته الأخيرة بالصباح “الليلة هنكون لبعض قصاد الكل يا حب عمري كله”.

كذبة صغيرة بلحظة طيش لتنتهي بأخذ قطعة من روحها و هي فقط عليها المشاهدة عاجزة، مشاعر قاسية تسلب منها قلبها و تلقي بها بمكان مظلم، فتحت باب الغرفة لترى ملامحه التي تعشقها يبتسم إلى شقيقتها فهو بالنسبة له حقق حلم العمر. 

سقطت دموعها و ارتجف فكها بداخلها صرخة مكتومة لا تقدر على إخراج جزء بسيط منها، دقاتها تتألم و أنفاسها تأخذها بصعوبة على عدة مراحل..

بالخارج.. 

يجلس عابد يتأمل ملامحها التي وقع بغرامها من اللحظة الأولى، فريدة حبيبته من ثلاث أعوام و كلما أقترح عليها الزواج أجلت الأمر، يعلم أنه أخذ تلك الخطوة دون العودة إليها إلا أنه سعيد سعيد جداً.

ترك الحاج منصور و جليلة بعض المساحة لهما ليبقى معها بمفرده، إقترب من مقعدها قائلا بشوق:

_ أخيراً الحلم اتحقق يا فريدة..

لم تجيبه استكفت فقط بإعطاء إبتسامة مجاملة إليه، تعجب من صمتها و تعجب أكثر من عدم وجود خاتمه الخاص بكفها، سألها بقلق بالغ:

_ مالك يا فريدة انتي مش مبسوطة إننا هنكون سوا؟!

ابتلعت لعابها بتوتر لا تريد أن تجرحه بأي كلمة فعابد رجل فريد من نوعه، رفعت رأسها لترى نظرات جليلة المحذرة فهي حمقاء بالحديث و قليلة الذوق بكثير من الأوقات، فركت بأصابعها قائلة بنبرة هادئة :

_ أنا كويسة يا عابد و مبسوطة.

مد يده يضم كفها إليه قائلا بحماس:

_ طيب يا حبيبتي يبقى نقرأ الفاتحة إيه رأيك.

ردت عليه بسرعة البرق قائلة:

_ لا لالا، يعني أنا حابة أبيه فاروق يكون موجود في يوم زي ده.

أومأ لها رغم معرفته لعدم حبها لفاروق و شعورها الدائم بالنقص و عدم الأمان بسببه، مرت الجلسة على خير… و بطريقه إلى الخارج لمح طيفها تقف خلف باب غرفتها، ثبت مكانه لعدة ثواني مع رؤية دموعها المتساقطة مثل قطرات الندى على أوراق الشجر. 

بالداخل كان مع حبيبته و لم يشعر بما يتحرك بداخله الآن، قلبه يدق مع نغزة قوية لا يعلم مصدرها، بدون إرادة منه رفع يده كعلامة على التحية إلا أنها أغلقت باب الغرفة سريعا، لأول مرة ينطق حروف إسمها بنبرته الرجولية و صوته الهامس قبل أن يخرج خلف أبيه:

_ فتون. 

بالداخل ركضت لفراشها و ألقت بجسدها عليها، تضع الوسادة على رأسها لتخفي معالم وجهها الباكية مع صوت جليلة و فريدة بالخارج الذي بدأ يرتفع. 

جليلة بغضب:

_ يعني إيه مش أخدة عابد يا فريدة، ماله عابد إبن الحاج منصور الحي كله بيحلف بأخلاقه.

رفعت فريدة رأسها لجليلة قائلة بهدوء:

_ عادي يا جليلة أنا مش حابة أكون زوجة له فين المشكلة في كدة، هو إنسان محترم و كل حاجة لكن أنا مش شايفة فيه فارس أحلامي، من و إحنا عيال صغيرة يعتبر عابد أخويا مش أكتر من كده، أنا سكت في القعدة عشان الموقف محرج غير كدة لا. 

اعتدلت جليلة بوقفتها مردفة بنبرة صارمة:

_ طالما في حد في حياتك غيره يبقى عابد أولى بيكي يا بنت المسيري، لكن لو فيه يبقى أعرف من دلوقتي.

فقدت فريدة السيطرة على أعصابها بشكل كبير، جليلة دائماً تفرض الأوامر دون إعطاء أحد فرصة للرفض؛ لذلك وقفت أمامها قائلة:

_ مفيش غيره و مش هكون له يا جليلة مهما حصل…

قطع حديثها وقوع جسد على الأرض بغرفة فتون مع صرخة قوية من شقيقتها. 

______شيماء سعيد______

بإحدى العيادات الخاصة بالقاهرة. 

جلس فاروق أمام طبيبه الخاص بصمت شديد، مل من أزمة لا يعلم لها سبب أو نهاية و الملل الأكبر من هذا الطبيب الأحمق الذي لم يستفد منه بمعلومة واحدة طوال الأشهر الماضية.

تابع الطبيب صمته بإبتسامة مستفزة ففاروق المسيري المريض الذي لا يعاني من أي مرض، ما يريده أمام عينيه و هو فقط يبحث عنه هنا و هناك بتشتت.

يضع ساق على الآخر و يريح جسده على المقعد بهدوء، يرفض رفضا شديدا النوم على هذه الاريكة ليتحدث عما بداخله، قطع الصمت سؤال الطبيب:

_ حمد لله على السلامة يا فاروق بيه العيادة نورت.

رمقه الآخر بنظرة نارية لا يعلم من أين يأتي بهذا القدر من البرود، ابتلع الطبيب ريقه بصمت يعلم غضب فاروق المسيري جيدا… ليعود بسؤال آخر جاد:

_ إيه اللي حصل في الرحلة الأخيرة؟!

بتنهيدة حارة أجابه:

_ زي كل مرة أشوف واحدة تعجبني أطلع على المحامي الخاص بيا و نتجوز، مع أول مرة تختفي المتعة بشكل كامل ببقى زي التلميذ اللي بيذاكر عشان يجيب مجموع مع أنه مش طايق المادة، أفضل أحاول شهر كامل هي بتكون مستمتعة جداً و أنا بكون قرفان جداً. 

لغز غريب هذا الرجل يتلهف على المرأة و مع أول لقاء جسدي بينهما ينفر منها، كتب بعض الكلمات الدقيقة على ورقته ثم أردف بهدوء:

_ طيب يا فاروق بيه ما تجرب تتجوز من مصر بداخل دول الأجانب؟!

رد عليه برفض شديد يستحيل أن يتزوج من مصرية أو من إمرأة يعلم أن تركه لها سيكون مؤلم لها، لعبته دائماً مع النساء ممتعة لفترة محدودة لتعود إلى حياتها بكل سهولة دون فعل شيء حرام بالنسبة له.

بمصر الفتيات تعيش بشكل مختلف غير الغرب و غير ذلك من تعيش مثل الغرب مجرد عا*هرة لا أكثر:

_ أنا مقدرش أتجوز من مصر لمجرد شهر دي هتكون فضيحة لأي بنت، و طبعاً اللي ممكن تقبل كدة كلنا عارفين إسمها إيه. 

تنهد الطبيب بتعب قائلا:

_ ليه يا فاروق بيه مش بتفكر تعيش بشكل عادي زي باقي الناس، يعني مثلا تحب و تتجوز عن حب وقتها مش هتكون قرفان بالعكس هتكون مبسوط معها جداً، حياتك هتكون بطعم الشوكولاتة. 

مع رسالة من شقيقته فريدة بنص مرعب “أنا محتاجة تكون سندي أوي يا أبيه ” ترك عيادة الطبيب بلا كلمة واحدة ذاهباً إلى حي المغربلين، خائف على شقيقته و بنفس الوقت يعلم أن جليلة ستقف بينهما و بينه.

من يصدق أن جليلة والدته ستكون بتلك القسوة عليه، ربما أراد والدهم بالماضي الحفاظ على أموال العائلة معتقدا أن منصور الجنايني يريد ماله؛ لذلك كتب جميع أملاكه بإسمه هو مع توصية كبيرة بإعطاء كل فتاة ما تريده بالكامل. 

وصل للحي ليهبط من سيارته و يسير بخطوات متعجلة، توقف الزمن فجأة مع سقوط ماء تنظيف الخضروات على بذلته، أغلق عينيه عدة ثواني بغضب قبل أن يدور بجسده لمن فعل ذلك.

هنا بالفعل إنتهى فاروق المسيري مع رؤيته إلى طبق من الشوكولاتة الذي لا ينقصها إلا بعض الزينة لتصبح أكثر من لذيذة، عقله توقف حتى قلبه دوره مشوش فقط جسده يرغب و ينفذ بلا تفكير، لحظة واحدة و كان يلصق شفتيه بها متذوق طعم الشوكولاتة بصك فاروق المسيري مهمهما بلذة:

_ هو ده طعم الشوكولاتة اللي بدور عليه من زمان، لذة فاروق المسيري بين إيديك. 

_______شيماء سعيد______

بمنزل كارم. 

تجلس والدة كارم الحاجة صباح على أريكة بسيطة بصالة المنزل بعد يوم شاق من الأعباء المنزلية، نجوى زوجة كارم وجودها مثل عدمه دائماً تحبس نفسها بين جدران غرفتها و تغلق على نفسها جيدا بالمفتاح.

أفعالها مريبة و ردودها أكثر ريبة خصوصا بعد خروجها من الغرفة، تنهدت السيدة صباح بقلة حيلة قبل أن تستسلم للنوم لساعات قليلة. 

بالداخل كانت مزينة الفراش حولها متسطحة عليه شبه عارية بملابسها الداخلية فقط، تضع سماعات الأذن الصغيرة على أذنيها و تنظر إلى ذلك الرجل الذي يدقق بها بشهوة، طالما تمنت رجلا مثل هذا يغرقها بأمواله بعيدا عن كارم و تلك الحارة.

أطلقت ضحكة رنانة سعيدة مستمتعة بكل كلمة غزل صريح و أكثر من وقحة يصف بها معالم جسدها، لترد إليه وقاحته بوقاحة أقوى مردفة:

_ يا ريتك معايا فعلاً يا باشا مش مجرد فيديو.

قهقه بصوت مرتفع و عيونه تأكلها قائلا :

_ مش أكتر مني يا روح الباشا على أيدي هتكوني هانم يا نجوى، أنزل بس من دبي و نتعرف على بعض على الحقيقة و بعدها نسافر سوا، يلا بقى شيلي باقي الهدوم دي عايز أشوف العرض كامل.

_ عنينا ليك يا باشا. 

بعد مدة قليلة أغلقت هاتفها بعدما حول لها مبلغ من وجهة نظره بسيط أما بالنسبة لها حلم، سحبت شرشف خفيف تدثر به جسدها العاري لتأخذ قسط قليل من الراحة.

ملت من كارم و تلك العجوز التي تستفزها بطيبة قلبها الزائدة، تتحمل تلك الحياة فقط من أجل طفلها يوسف لا أكثر، الحياة الحقيقية على هاتفها مع هؤلاء الرجال و ذلك التطبيق الذي لا تخرج منه إلا على قرب وصول زوجها.

انتفض جسدها على أثر صوته يتحدث مع والدته بالخارج، بسرعة البرق اخفت الهاتف بمكانه المخصص و عادت إلى إرتداء ملابسها و ترتيب الفراش.

أخذت نفس عميق و خرجت لتجد السيدة صباح تقول بهدوء:

_ يا إبني مفيش زي نجوى واقفة معايا طول النهار لما حسيت إنها تعبت طلبت منها تدخل ترتاح شوية.

رفع رأسه لها بغضبه المستمر منها قائلا:

_ كنتي فين يا بت نايمة و سايبة أمي من غير أكل من الصبح لحد دلوقتي ؟!

حركت وجهها إلى والدته ببراءة قائلة:

_ كدة برضو يا ماما مش أنا قولتلك أحضرلك تاكلي قولتي لما كارم ييجي ناكل سوا؟ 

أومأت لها السيدة صباح بإبتسامة طيبة لتدلف الأخرى للمطلخ تحضر الطعام الذي لا تعرف ما هو من الأساس. 

بعد ساعة تقريباً أغلق عليهما باب الغرفة يريد أن يرتاح بمنزله قليلاً، نظر إليها بطرف عينه ليجدها ستنام مثل عادتها، أبتسم إليها إبتسامة لعوب مقتربا منها محاولا تقبيلها هامسا:

_ وحشتيني يابت يا نجوى، نفسي نجيب أخ للواد يوسف رأيك ايه؟! 

ابتعدت عنه بضيق مردفة:

_ رأيي إنك تنام يا سيد الرجالة، أنا مش قادرة عشان تقرب… طول النهار قلبي مقطوع في البيت ده كأني خادمة، و بعد كل ده مش كفاية عليا أمك و علاجها و هدومها أوعى تكون فاكر إنها طيبة معايا زي ما بتكون قصادك أنا بشوف معاها الويل، نام و سبني في حالي يا خويا.

أنهت حديثها و أعطت ظهرها إليه ليلقي عليها الوسادة بضيق قائلا:

_ نكدية زي أمك الله يرحمها فضلت كده لحد ما ابوكي ولع فيها و في نفسه. 

_____شيماء سعيد______

لأول مرة يدلف إلى مكان مثل هذا، إلا أن منتج العمل أصر على اللقاء هنا للحديث بشكل أفضل، نظر إلى صديقه المندمج بشكل كبير بالشرب و النساء بقلة حيلة.

شعر بملل كبير من صفا علام البطلة المقابلة إليه بمسلسله الرمضاني، هموم الدنيا فوق رأسه فرحة زوجته، عثمان الهارب، و الآن صفا… كأنه ينقصه كوارث.

إنتبه إلى كأسها المقترب من فمه ليعود إلى الخلف برفض معتذرا:

_ سوري يا صفا مش بشرب.

جزت على أسنانها بغيظ و قامت من جواره سيكون معها الليلة تحت أي ظرف، أشارت للنادل لينفذ خطتها عدم شربه أكبر مساعدة لها.

على الجانب الآخر دلفت فريدة إلى المكان تبحث عن فاروق بتوتر، بعدما اطمئنت على فتون تركت المنزل لجليلة و أتت إلى شقيقها تعلم أن معظم وقته هنا حسب حديث جليلة.

تعجبت من الحالة الغير مبشرة للناس بالداخل فكل شخص منهم لا يكاد يرى تحت قدميه، الفتيات نسيت إكمال ملابسها و أتت إلى هنا بشكل مباشر، رفعت رأسها تتأكد من وجود حجابها و هي تستغفر ربها على وجودها.

مع أول خطوة لها اصطدم جسدها بالنادل حاولت الاعتذار إلا أن الآخر سبقها معتذرا ثم تحرك سريعاً، شقهت بقوة من إقتراب أحدهم منها بحالة من السكر يمد يده لها بكأس لتقول بغضب:

_ أبعد عني يا حيوان.

لم تشعر بما يحدث إلا و الآخر بجذبها إليه بقوة مقيدا حركتها يجبرها على الشرب مردفا بسخرية:

_ أول مرة أشوف مزة محجبة.. منورة المكان يا مزة.

لا تصدق أنها شربت من هذا الكأس ليتركها الآخر و يكمل رقصه بشكل عادي، دقيقة واحدة و بدأت تفقد صوابها، رأسها ثقيلة بشكل كبير ترى كل شخص خمسة، إبتسامتها متسعة بلا أسباب، ألقت بجسدها على أقرب مقعد لتأخذ كأس آخر بلا وعي.

تفتح عينيها بصعوبة بالغة من كل شيء بالمكان حولها… أخيرا انتبهت على صوت أحدهم:

_ مش عيب لما تكون واحدة زي القمر كدة قاعدة في مكان زي ده الساعة اتنين الفجر…

رفعت رأسها إليه بثقل شديد لا تكاد تراه من شدة الأضواء و حالة السكر المخزي التي بها.

جميلة بملامح رقيقة و عيون واسعة بها جاذبية مغرية…

رموش كثيفة معطية ليها ظل لذيذ جداً أسفل عينيها يجعله يريدها بشدة…

ابتسمت إليه ابتسامة صافية ثم أردفت بنبرة متقطعة:

_ تحب تكون أول واحد يقرب من عذراء حلوة زيي ؟!.

أصابته لعنة من الحماقة يحاول استيعاب عرضها هذا، رأسه هو الآخر تؤلمه إلا أنها رائعة الجمال و متحمس لها جداً، حدق بها لمدة دقيقة قبل ان يحرك رأسه موافقاً بكل صدر رحب، لأول مرة يقوم الإثنان بشرب الكحول الذي سيطر عليهما بشكل كامل.

تحاملت على نفسها و سارت معه إلى بيته أو ربما إلى نهاية فريدة المسيري. 

______ شيماء سعيد_____

•تابع الفصل التالي “رواية حي المغربلين” اضغط على اسم الرواية

← الفصل السابق 📚 قائمة الفصول الفصل التالي →