نزيل العقل (كاملة) عمل حصري 8.4

نزيل العقل (كاملة)

4.0k مشاهدة 1 ساعة و 41 دقيقة
ابدأ القراءة

نبذه عن الرواية




جاري التحميل…

نزيل العقل


عيادة فارهة في حي الزمالك، طبيب أنيق ذو نظرة خاوية، ومرضى يدخلونها بحثًا عن الشفاء، لكنهم يغادرونها في توابيت.
لا توجد قطرة دم واحدة على يديه، ولا سلاح يُدينه، فقط رسائل انتحار صوتية يبتسم فيها الضحايا وهم ينهون حياتهم بدم بارد.
حين تقرر المحققة النفسية “نور” اقتحام هذا العرين المظلم كفأر تجارب طوعي، تكتشف أن أسوأ الكوابيس لا تأتي أثناء النوم.
في غرفة عازلة للصوت، تبدأ جلسة علاج مرعبة تتحول إلى ساحة معركة نفسية، حيث الكلمات شفرات حادة، والصمت هو العدو الأكبر.
هل يمكن لمن يطارد الوحوش أن ينجو بسلام، أم أن فتح الباب الموصد داخل عقلك.. هو تذكرة ذهاب بلا عودة؟

تحميل الفصول…


المؤلف

قطرات الماء شديدة البرودة تنزلق على وجه كريم، تتساقط من ذقنه لتصطدم
بحوض السيراميك الأبيض في إيقاع رتيب. 


يداه ترتجفان بعنف وهو يمسك بحواف الحوض، ومفاصل أصابعه مبيضة من شدة
الضغط. 


أنفاسه تخرج متلاحقة، حارقة، تضرب سطح المرآة أمامه لتشكل ضباباً
خفيفاً يخفي ملامح وجهه المذعورة. 


عيناه محتقنتان بالدماء، تتسعان في رعب وهو يحدق في انعكاسه. 


كان يحاول أن يبدو طبيعياً، الموظف البنكي الهادئ، الزوج المخلص
لسارة، لكن الهواء في الحمام كان ثقيلاً، يكاد يخنقه.


هسسس...


صوت خافت زحف من مؤخرة جمجمته. 


لم يكن صوتاً مسموعاً في الهواء، بل كان يتردد داخل تجاويف رأسه، يحتل
المساحة بين أذنيه. 


كانت ضحكة. ضحكة باردة، مكتومة، لكنها ممتلئة بنشوة لزجة.


كريم: من أنت أيها الملعون؟ اخرج من رأسي!


الآخر: أنا الذي كان موجوداً قبل أن تتعلم الكذب على نفسك. أنا الذي
يضحك عندما تبكي أنت. أنت مجرد قشرة.. ترتدي بذلة أنيقة وتعقد ربطة عنقك كل صباح
فقط لكي لا يعرف الناس أنك ميت من الداخل.


هوى كريم بقبضته على المرآة، تناثرت الشظايا اللامعة لتجرح ظهر يده،
لكنه لم يشعر بالألم. 


الألم الحقيقي كان في ذلك الإدراك المرعب الذي يجتاحه؛ الصوت لم يعد
مجرد صدى، بل أصبح له كيان، ثقل، وإرادة. 


التفت نحو هاتفه الموضوع على الرف، ومسح قطرة دم عن شاشته، ثم ضغط على
زر التسجيل الصوتي. 


ابتسامة واسعة، لا تنتمي لملامحه الهادئة، شقت وجهه ببطء مخيف.


كريم: أنا الذي اخترت أن أموت.. وأنا سعيد.


في الخارج، كانت زوجته سارة تدق الباب بقلق، بينما كان كريم ينظر إلى
قطعة الزجاج في يده، ويسمع ضحكة الآخر تعلو وتعلو، حتى ابتلعت كل أفكاره.


***


رائحة القهوة المحترقة الممزوجة بدخان السجائر الكثيف كانت تملأ غرفة
مكتب قسم الجرائم النفسية. 


نور تجلس خلف مكتبها المعدني المتهالك، عيناها مرهقتان لكنهما تلتمعان
بحدة جارحة. 


أمامها تناثرت ملفات لثلاث قضايا. 


صور الجثث كانت تشترك في تفصيل واحد يثير الغثيان في المعدة؛ جميعهم
كانوا يبتسمون. 


امرأة ذبحت زوجها وجلست بجواره تبتسم للكاميرا، شاب أشعل النار في
جسده وتفحمت ملامحه على وضعية الضحك، وأخيراً.. كريم، موظف البنك الذي قطع شرايينه
في حمام منزله تاركاً رسالة صوتية مروعة.


مررت نور أصابعها على حافة الورقة الأخيرة في ملف كريم. 


هناك خيط واحد يربط هؤلاء الثلاثة. 


اسم واحد يتكرر في كشوفات حساباتهم البنكية قبل وفاتهم بأسابيع قليلة.



عيادة الدكتور أيمن البرعي، الزمالك.


لم تكن نور محققة عادية. نشأتها في أزقة الأحياء الشعبية منحتها صلابة
لا تُكسر، وقدرة على قراءة الوجوه الخفية للناس. 


لكنها وهي تتأمل صورة أيمن المرفقة في الملف، شعرت ببرودة تسري في
عمودها الفقري. 


كان رجلاً في الثامنة والثلاثين، ملامحه هادئة جداً، شعره مصفف بعناية
فائقة، وبذلته تنطق بالأناقة المفرطة. 


لكن عينيه.. كانتا بئرين من العدم. لا غضب، لا حزن، ولا حتى تعاطف
مهني. مجرد فراغ يمتص كل شيء أمامه. 


الشرطة عاجزة تماماً. لا يوجد دليل مادي واحد. لا أسلحة، لا سموم، ولا
تحريض مباشر. كل شيء يبدو كانتحار مثالي بإرادة حرة. 


أدركت نور في تلك اللحظة أن القانون العادي لن يجدي نفعاً مع هذا
الرجل. 


عليها أن تدخل عرينه.


***


سجاد العيادة كان سميكاً لدرجة أنه يبتلع وقع خطواتها تماماً. 


الجدران مبطنة بخشب داكن عازل للصوت، يخلق عزلة تامة عن صخب مدينة
القاهرة بالخارج. 


بمجرد أن أُغلق باب غرفة العلاج خلفها، شعرت نور وكأنها غاصت في أعماق
محيط مظلم. 


الغرفة مضاءة بنور خافت، زاوية واحدة فقط تحتضن مكتباً أنيقاً، وفي
الزاوية المقابلة كرسي جلد مريح مخصص للمرضى. 


لمحت بطرف عينها وميضاً أحمر صغيراً؛ كاميرا واحدة فقط مسلطة على
الكرسي، تسجل كل حركة.


كان أيمن جالساً خلف مكتبه، يلف قلماً فضياً بين أصابعه الطويلة بحركة
إيقاعية هادئة. لم يرفع عينيه عن الورقة أمامه فور دخولها، بل تركها تقف لثوانٍ،
تتشرب صمت الغرفة الثقيل.


أيمن: تفضلي بالجلوس يا نور.


جلست نور على الكرسي الجلدي. حاولت أن تبقي معدل تنفسها منتظماً،
متقمصة دور الفتاة المنهارة التي تعاني من كوابيس ليلية متكررة. 


لكن بمجرد أن رفع أيمن عينيه الفارغتين نحوها، توقفت الكلمات في
حلقها. كانت نظرته تخترق طبقات الجلد والعظام، تقرأ ما لم تنطق به بعد.


ابتسم أيمن ببطء. لم تصل الابتسامة إلى عينيه قط. توقفت أصابعه عن لف
القلم، وضعه على المكتب بصوت مكتوم، ثم مال بجذعه قليلاً نحوها.


أيمن: هل تعلمين ما هي مشكلة الكوابيس يا نور؟ نحن نعتقد أنها مجرد أحلام
مروعة تأتي من العدم لتزعج نومنا. لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. الكابوس هو
الجزء الحقيقي منك، يطرق باب عقلك من الداخل، غاضباً لأنك تحبسينه.


نور: أنا لم آتِ إلى هنا لسماع فلسفة عن الأحلام يا دكتور. أنا هنا
لأنني أختنق. كل ليلة أرى أشياء.. أسمع أصواتاً.


اتسعت ابتسامة أيمن قليلاً. كان هدوء صوته يتناقض مع شراسة كلماته.
صوته كان ناعماً كالحرير، لكنه حرير يلتف حول العنق ببطء.


أيمن: أنتِ لا تختنقين بسبب ما ترينه في نومك. أنتِ تختنقين لأنك
تدركين أن ما ترينه هو أنتِ الحقيقية. الكابوس الحقيقي يبدأ عندما تستيقظين
وتضطرين لارتداء قناعك اليومي.


شابكت نور أصابعها ببعضها بقوة. كان تدريبهن في الأكاديمية يعتمد على
سحب المشتبه به إلى منطقة الدفاع، لكن هذا الرجل كان يسحبها هي إلى الهاوية من
الكلمة الأولى. 


قررت أن تلقي بحجر في بركته الراكدة. نظرت إليه مباشرة، متخلية للحظة
عن قناع المريضة الخائفة.


نور: لماذا يموت كل مرضاك يا دكتور أيمن؟


لم يرمش. لم تتغير وتيرة تنفسه. بل التقط القلم الفضي مجدداً وبدأ
يلفه بين أصابعه ببرود مستفز.


أيمن: أنا لا أقتلهم.. أنا فقط أريهم أن ما بداخلهم أفضل بكثير مما
بالخارج. وهم يختارون الذهاب للأفضل بكامل إرادتهم.


نور: أنت تتلاعب بعقولهم. تدفعهم للجنون. أنت تدرك جيداً ما تفعله بهم
في هذه الغرفة المعزولة. هل تحاول أن تلعب معي الآن؟


انحنى أيمن أكثر حتى أصبحت المسافة بين وجهيهما لا تتعدى بضعة أشبار. 


رائحة عطره كانت نفاذة، مزيج من خشب الصندل وشيء آخر يشبه رائحة
المستشفيات القديمة.


أيمن: أنا لا ألعب. أنا فقط أفتح لكِ الباب الذي أنتِ أصلاً جئتِ
باحثة عنه. الفرق الوحيد بيني وبينك في هذه اللحظة، هو أنني أعرف تماماً مدى رعبك
من الدخول منه.


ساد صمت مميت في الغرفة. شعرت نور بقطرة عرق باردة تنزلق على رقبتها.
كانت قد دخلت لاصطياد وحش يعيش في الظلام، لكنها أدركت متأخرة جداً، أن هذا الوحش
لم يكن يختبئ في زوايا الغرفة، بل كان يختبئ في زوايا عقلها هي، وهو الآن يقدم لها
المفتاح.


انسحبت نور من العيادة بخطوات بدت وكأنها تخوض في وحل لزج، رغم أن
أرضية الممر كانت من الرخام المصقول. 


بمجرد أن أغلق باب العيادة الخارجي خلفها، صفعها هواء القاهرة بصخب
السيارات وزحام المارة، لكنها لم تسمع شيئاً. 


كان هناك طنين مكتوم يسكن أذنيها، طنين يشبه صوت احتكاك قلم فضي بسطح
مكتب خشبي. 


جلست خلف مقود سيارتها، وأسندت جبهتها الباردة على الإطار الجلدي
لعجلة القيادة. حاولت أن تستنشق الهواء بملء رئتيها، لكن رائحة خشب الصندل
الممزوجة بتلك البرودة الطبية كانت لا تزال عالقة في فتحات أنفها. 


رفعت رأسها ببطء لتنظر في مرآة الرؤية الخلفية. للحظة واحدة، ومضة لا
تتجاوز كسر الثانية، رأت انعكاس عيني أيمن الفارغتين تحدقان بها من المقعد الخلفي.



استدارت بحدة، ويدها تمتد نحو مسدسها الميري أسفل سترتها. المقعد كان
فارغاً تماماً. ابتلعت ريقها الجاف، وأدركت أن السم قد بدأ يسري.


***


مر أسبوع ثقيل كالرصاص. أسبوع من الكوابيس التي لم تكن تدعيها هذه
المرة. كانت ترى وجوه الضحايا، تبتسم لها في الظلام، وتسمع ضحكة "كريم"
تتردد في حمام شقتها.


***


عادت إلى الغرفة ذات الجدران العازلة للصوت. عادت لـ الجلسة الثانية.


الضوء الخافت كان يلقي بظلال طويلة مشوهة لأثاث الغرفة. 


الكاميرا ذات الوميض الأحمر لا تزال تسلط عينها الواحدة نحو الكرسي
الجلدي الذي تجلس عليه. أيمن كان يجلس بنفس الوضعية، كأنه لم يتحرك منذ الأسبوع
الماضي. سترته الكحلية خالية من أي تجعيدة، ويداه متشابكتان بهدوء فوق سطح المكتب.


أيمن: لقد عدتِ يا نور. الهالات السوداء تحت عينيكِ تخبرني أن الباب
الذي تركناه موارباً في الجلسة الماضية.. قد سهرتِ الليل كله تنظرين من ثقب
مفتاحه.


اعتصرت نور مسند الكرسي بأصابعها حتى كادت أظافرها تخترق الجلد. 


كانت قد راجعت ملفه مئات المرات، حفظت كل تفصيلة في تاريخه الأكاديمي،
لكن لا شيء في الورق يجهزك لمواجهة هذا العدم وجهاً لوجه.


نور: أنا هنا لأنني أريد أن أنهي هذا العلاج. أنت قلت إنني أختنق من
قناعي. حسناً، كيف أخلعه دون أن أؤذي نفسي؟


تغيرت نظرة أيمن. ومضت فيها سخرية خفية، كصياد يرى الفريسة تمشي
طواعية نحو الفخ. 


مال برأسه قليلاً إلى الجانب، وابتسامته الباردة شقت ملامحه.


أيمن: أنتِ تفترضين أن خلع القناع يتطلب العنف ضد الذات. هذا خطأ
شائع. العنف يحدث فقط عندما يقاوم الجسد حقيقته. الضحايا لا يؤذون أنفسهم يا نور..
هم فقط يحررونها.


انتفضت نور من مكانها نصف انتفاضة، ناسية دور المريضة المنهارة. 


حدة المحققة طفت على السطح، وصوتها خرج مشحوناً بالغضب المكتوم.


نور: يحررونها بالسكاكين؟ بقطع الشرايين؟ بالنار؟ أنت مريض. أنت تجلس
هنا وتزرع أفكاراً سامة في عقول هشة حتى تدمر نفسها، وتسمي ذلك تحريراً! أنا أعرف
ما تفعله، وأعرف كيف تتلاعب بالكلمات لتجعل الجنون يبدو وكأنه استنارة.


أيمن: الجنون؟


نطق الكلمة ببطء شديد، وكأنه يتذوق حروفها. 


نهض من خلف مكتبه بحركة انسيابية صامتة. اقترب منها خطوتين. 


كان طويلاً، وظله سقط عليها ليبتلعها تماماً في العتمة.


أيمن: أنتِ تستخدمين مصطلحات البشر الخائفين. تسمون كل ما يعجز العقل
عن استيعابه.. جنوناً.


تراجعت نور بظهرها لتلتصق بمسند الكرسي. تنفسها أصبح سطحياً وسريعاً.
حاولت أن تستحضر تدريبها، أن تستعيد السيطرة على مسار الحديث، لكن وجوده المادي
كان ضاغطاً، كجاذبية ثقب أسود.


نور: أنا لست مجنونة! أنا أرى بوضوح ما تحاول فعله. ولن أسمح لك
بالدخول إلى رأسي.


توقف أيمن على بعد خطوات قليلة منها. انحنى قليلاً لتصبح عيناه في
مستوى عينيها. الفراغ فيهما كان يبتلع كل ذرة ضوء في الغرفة.


أيمن: كل شخص يقول ذلك.. حتى يستيقظ في الصباح ويجد يده ممسكة
بالسكين.


تجمدت الدماء في عروق نور. 


الكلمات ضربت وتراً حساساً في ذاكرتها. صورة كريم وهو ملقى في الحمام،
والسكين بجواره. 


كيف عرف؟ هل يقرأ أفكارها أم أنه يزرع هذه الصورة عمداً؟


استدار أيمن وعاد إلى مكتبه بهدوء. فتح الدرج السفلي، وأخرج منه جهاز
تسجيل قديماً، من تلك الأجهزة التي تعمل بأشرطة الكاسيت. 


وضعه على المكتب، وضغط على زر التشغيل بسبابته.


خرج من السماعة المتهالكة خشخشة، تبعها صوت طفل صغير. لم يكن يتجاوز
العاشرة من عمره، لكن نبرته كانت خالية تماماً من براءة الطفولة. كانت نبرة جافة،
آلية، ومخيفة.


صوت الطفل في التسجيل: (لا أستطيع أن أجعله يتوقف عن الصراخ. العصفور
لا يفهم أنني أريد فقط أن أرى كيف يعمل قلبه من الداخل. لقد كسرت أجنحته لكي يهدأ،
لكنه استمر في النزيف. أعتقد أنني سأضطر لفتح صدره وهو حي. أنا لست غاضباً منه..
أنا فقط فضولي).


صوت رجل بالغ يتحدث في التسجيل (طبيب نفسي): (بماذا تشعر وأنت تفعل
ذلك يا أيمن؟).


صوت الطفل: (لا شيء. أنا أساعده ليتخلص من الألم. عندما يموت..
يبتسم).


ضغط أيمن على زر الإيقاف. صوت طقطقة الزر رن في الغرفة كطلقة نارية.


كانت نور تحدق في جهاز التسجيل، وشعور لزج بالغثيان يرتفع من معدتها
إلى حلقها. 


الهواء في الغرفة أصبح خانقاً، وكأن الأكسجين قد سُحب منه فجأة. 


رفعت عينيها نحو أيمن. كان يراقب رد فعلها باستمتاع صامت.


نور: هل هذا أنت أم شخص آخر؟


ابتسم أيمن تلك الابتسامة التي لا تصل إلى عينيه أبداً. استند بمرفقيه
على المكتب، وشابك أصابعه أمام وجهه.


أيمن: أنا الاثنان معاً. وأنتِ الآن.. الثلاثة.


نور: ماذا تقصد؟


أيمن: أقصد أن الطفل الذي فتح صدر العصفور ليرى قلبه، والطبيب الذي
يجلس أمامك الآن، كلاهما يعيشان بانسجام تام داخل هذا الجسد. لم أقتل الطفل لأعيش
كطبيب، بل دمجتهما. أما أنتِ.. فأنتِ تقفين الآن في المنتصف. المحققة القوية التي
تريد إنقاذ العالم، والمريضة المكسورة التي تبحث عن مبرر لانكسارها، وبيني أنا..
الصوت الجديد الذي بدأ يتشكل داخل رأسك.


وقفت نور بحدة، أسقطت حقيبتها على الأرض دون أن تهتم بالتقاطها. 


شعرت أن الجدران المبطنة بالخشب تضيق عليها، تدفعها نحو هذا الرجل
الكابوسي.


نور: الجلسة انتهت.


استدارت نحو الباب، وخطواتها سريعة، شبه هاربة.


أيمن: اهربي يا نور. أقفلي الباب جيداً عندما تعودين إلى شقتك. لكن
تذكري شيئاً واحداً.. الأبواب المغلقة تمنع من هم في الخارج من الدخول، لكنها لا
تمنع من هم بالداخل من التهامك.


وضعت يدها على مقبض الباب المعدني البارد. 


أدارته وخرجت إلى الممر مسرعة. لم تنظر خلفها. لكنها وهي تسير في
الممر الطويل، شعرت بشيء مرعب..


صوت خطواتها على الرخام لم يكن منفرداً. كان هناك إيقاع آخر، متزامن
تماماً مع خطواتها. إيقاع يخفق داخل جمجمتها.


***


اندفعت نور خارج البناية وكأن النيران تلتهم أطراف سترتها. 


هواء الشارع البارد صفع وجهها، لكنه لم ينجح في إطفاء الحرارة التي
تجتاح صدرها. 


بخطوات متعثرة، وصلت إلى سيارتها المتوقفة في الظلام. 


مفاتيحها المعدنية انزلقت من بين أصابعها المرتجفة لتصطدم بالأسفلت
الخشن برنين مزعج. 


انحنت لالتقاطها، وركبتها تصطدم بباب السيارة بقوة. لم تشعر بالألم.
كل ما كانت تشعر به هو ذلك الإيقاع المنتظم، النبض الخفي الذي يسري في عروقها،
متزامناً مع صوت خطوات لا تراها.


أغلقت باب السيارة بقوة، وضغطت على زر إقفال الأبواب المركزي. 


التقطت أنفاسها بصعوبة، وصدرها يعلو ويهبط بعنف. قطرات العرق الباردة
تجمعت عند منبت شعرها لتنزلق ببطء على جبهتها. 


أدارت المحرك، وضغطت على زر المذياع بأقصى سرعة بحثاً عن أي ضجيج بشري
يطرد هذا الصمت المفترس. انطلق صوت المذيع عالياً، يتحدث عن أزمة المرور، لكن وسط
الكلمات المتداخلة، التقطت أذنها نقرة خفية. نقرة معدنية مكتومة.


طَق.. طَق.. طَق..


نفس الإيقاع الرتيب لقلم الدكتور أيمن الفضي وهو يرتطم بسطح مكتبه
الخشبي.


ضربت نور عجلة القيادة بقبضتها، وأغلقت المذياع بحدة. 


السكون عاد ليحتل المقصورة. أسندت رأسها إلى الخلف، وأغمضت عينيها
بقوة حتى لاحت بقع ملونة في مجال رؤيتها الداخلي. 


كانت محققة متمرسة، رأت جثثاً مشوهة، وواجهت مجرمين عتاة، لكن هذا
الرجل كان يفككها من الداخل دون أن يلمسها. دون أن يترك دليلاً واحداً يمكنها وضعه
في كيس أدلة بلاستيكي.


انطلقت بسيارتها عبر شوارع القاهرة المضاءة بمصابيح النيون
البرتقالية، متجاوزة السيارات في انحرافات حادة. كانت تهرب، لكنها تدرك في قرارة
نفسها أنك لا تستطيع الهرب من شيء تحمله داخل جمجمتك.


شقتها في الطابق السابع كانت غارقة في العتمة، باستثناء ضوء أبيض شاحب
يتسرب من شاشة حاسوبها المحمول المفتوح على طاولة غرفة المعيشة. 


لم تكلف نفسها عناء إضاءة المصابيح. ألقت بمفاتيحها على المنضدة
الخشبية، وخلعت حذاءها، لتمشي حافية القدمين على السجاد البارد.


وزعت ملفات القضايا على الأرضية حول الطاولة كأوراق خريف ميتة. 


جلست نور متربعة وسطها، وسحبت ملف كريم، الضحية الأولى. 


نظرت إلى صورة وجهه المبتسم ابتسامة مريعة وهو غارق في دمائه. 


مررت أناملها المرتعشة على حافة الصورة.


نور: (تهمس لنفسها بصوت متهدج) كيف فعلها؟ كيف جعلك تبتسم وأنت تقطع
أوردتك؟


مدت يدها نحو مشغل الصوتيات الصغير الذي أحضرته من قسم الأدلة
الجنائية، وضغطت على زر التشغيل لتستمع إلى رسالة كريم الأخيرة للمرة الألف.


صوت كريم المسجل: أنا الذي اخترت أن أموت.. وأنا سعيد.


أوقفت التسجيل. هناك شيء خاطئ. في المرات السابقة، كانت تسمع نبرة يأس
واستسلام في صوته. لكن الليلة، في وسط هذا السكون الموحش، بدا صوت كريم مختلفاً.
كانت هناك نبرة انتصار خفية، ثقة مرعبة لا تنتمي لموظف بنك منهار. كانت نبرة..
أيمن.


زحف شعور بالبرودة من أطراف أصابع قدميها صعوداً إلى عمودها الفقري.
نهضت فجأة، وتوجهت نحو المطبخ لتصب لنفسها كأساً من الماء. 


يدها كانت ترتجف بشدة لدرجة أن حافة الكأس الزجاجية اصطدمت بأسنانها
وهي تشرب.


في تلك اللحظة، اهتز هاتفها المحمول على طاولة المعيشة.


انتفضت نور، وسقط الكأس من يدها ليتحطم على بلاط المطبخ، متناثراً إلى
مئات الشظايا اللامعة تحت ضوء القمر المتسلل من النافذة. 


تجاهلت الزجاج المحطم، وسارت ببطء نحو الطاولة. 


شاشة الهاتف كانت تضيء وتنطفئ في إيقاع مستفز. رقم المتصل كان
محجوباً.


ترددت للحظة، ابتلعت ريقها الجاف، ثم سحبت أيقونة الرد الخضراء ورفعت
الهاتف إلى أذنها ببطء.


نور: من المتحدث؟


لم يأتِها سوى صوت أنفاس هادئة، منتظمة، ومريحة جداً. تنفس شخص يجلس
في صالة انتظار فارهة، يراقب الأسماك في حوض زجاجي. 


ثم، انساب ذلك الصوت الحريري، العميق، والمشبع ببرودة الموت.


أيمن: هل أقفلتِ الباب جيداً يا نور؟


اتسعت عينا نور حتى كادتا تخرجان من محجريهما. التفتت لا إرادياً نحو
باب الشقة الرئيسي، وتأكدت من أن المزلاج الحديدي مغلق. 


قبضت على الهاتف بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعها.


نور: كيف حصلت على رقمي الشخصي؟ ماذا تريد مني أيها المريض؟ أنا لست
واحدة من ضحاياك الهشين! أقسم أنني سأزج بك في السجن قبل أن يشرق الصباح!


جاءت ضحكة أيمن عبر السماعة. ضحكة خفيفة، مكتومة، لم تحمل أي أثر
للتهديد، بل حملت شفقة مرعبة.


أيمن: السجن؟ أنتِ ما زلتِ تفكرين بعقلية ضابط الشرطة الذي يبحث عن
أدلة مادية وبصمات. أنتِ لم تفهمي بعد يا نور. أنا لست بحاجة إلى رقم هاتفك لأتحدث
إليكِ.


نور: توقف عن هذا الهراء! أنت على الهاتف الآن!


أبعدت نور الهاتف عن أذنها لتنظر إلى الشاشة. كانت الشاشة سوداء
تماماً. 


لا توجد مكالمة نشطة. لا يوجد سجل للمكالمات. الهاتف لم يرن من
الأساس.


سقط الهاتف من يدها المرتخية ليهوي على السجاد المنسوج. 


تراجعت خطوتين إلى الوراء، واصطدم ظهرها بالجدار البارد. 


أنفاسها أصبحت لاهثة، متقطعة، كغريق يحاول التقاط الهواء وسط أمواج
عاتية.


أيمن: (صوته لم يعد يأتي من الأسفل حيث سقط الهاتف، بل كان ينبعث من
زوايا الغرفة المظلمة، يتردد في تجاويف أذنيها، ينساب داخل رأسها مباشرة) أنا لم
أتصل بهاتفكِ يا نور. أنا أتحدث من خلال الخط الذي مددناه معاً في تلك الغرفة
العازلة للصوت. الباب الذي فتحتِه.. لا يمكن إغلاقه أبداً.


أمسكت نور برأسها بكلتا يديها، غارسة أصابعها في خصلات شعرها بقوة
وعنف، كأنها تحاول اقتلاع جذور هذا الصوت من جمجمتها.


نور: (تصرخ في الفراغ، وصوتها يمزق سكون الشقة) أنت لست موجوداً في
عقلي! اخرج من هنا! اخرج!


الصمت عاد للحظة، ثقيلاً وموحشاً، قبل أن يمزقه صوت أيمن مجدداً. 


كان صوته هذه المرة أقرب من أي وقت مضى، كأنه يهمس مباشرة في شحمة
أذنها، ساخراً ومنتصراً.


أيمن: أنا لست في عقلك يا نور.. أنا عقلك الجديد.


انهارت قواها تماماً. انزلقت بظهرها على الجدار حتى اصطدمت بالأرضية
الباردة. 


ضمت ركبتيها إلى صدرها، وبدأت ترتجف بعنف. 


نظرت نحو الممر المظلم المؤدي إلى الحمام. هناك، في نهاية الممر، كانت
المرآة الكبيرة تعكس خيالها المنكمش في الظلام. 


لكن في تلك العتمة، وبينما كانت دموع الرعب الحقيقية تحرق وجنتيها
لأول مرة منذ طفولتها، لاحظت شيئاً مروعاً.


المرأة التي تنظر إليها في الانعكاس.. لم تكن تبكي. كانت تبتسم.


تسمرت عينا نور على انعكاسها. المرأة في المرآة لم تكن تشبهها سوى في
الملامح الخارجية، أما الروح التي تطل من تلك العينين فكانت غريبة، مظلمة، ومبتسمة
بشماتة. 


زحفت نور للخلف حتى اصطدم ظهرها بحافة السرير. التقطت فردة حذائها
الثقيل من الأرض وقذفتها بكل ما أوتيت من قوة ورعب نحو المرآة.


تحطم الزجاج بصوت مدوٍ، وتناثرت الشظايا لتغطي أرضية الممر الباردة،
ومع كل شظية تسقط، كان جزء من عقل نور يتشظى معها. 


لكن الابتسامة لم تختفِ؛ بل توزعت على مئات القطع المتناثرة، تحدق بها
من كل زاوية. 


نهضت بصعوبة، جسدها ينتفض كمن أصابته حمى مفاجئة. 


توجهت نحو الطاولة حيث يستقر سلاحها الميري. التقطت المسدس المعدني
البارد. برودته منحتها لحظة من الوضوح وسط هذا الهذيان. 


لا يمكنها محاربة طيف، لا يمكنها اعتقال صوت. يجب أن تنهي هذا من
جذوره. يجب أن تقتل المصدر.


***


انسلت سيارتها عبر شوارع القاهرة الخاوية في الثالثة فجراً كشبح أسود
يمزق صمت الليل. 


لم تكن هناك خطة، ولا إذن تفتيش، ولا فريق اقتحام. كانت هناك فقط
غريزة البقاء الأساسية؛ أن تقتل قبل أن تُقتل من الداخل.


وصلت إلى البناية العتيقة في الزمالك. حارس العقار كان غارقاً في نوم
عميق، يتلحف ببطانية صوفية مهترئة. 


صعدت الدرج الرخامي بخطوات ثابتة، كاتمة أنفاسها، وسلاحها مسحوب
أمامها. وقفت أمام الباب الخشبي الضخم لعيادة الدكتور أيمن. لم تكن بحاجة لكسره،
كان الباب موارباً، وكأنه يبتسم لها، يدعوها للدخول.


دفعت الباب ببطء. ابتلعها الظلام على الفور. 


رائحة خشب الصندل الممزوجة بالبرودة المعقمة ضربت حواسها بقوة أثارت
الغثيان في معدتها. 


لم تكن هناك أي إضاءة سوى خيوط شاحبة من ضوء القمر تتسلل عبر النوافذ
العالية لتفرش طريقاً فضياً يمتد مباشرة نحو غرفة العلاج.


وقفت أمام الباب المبطن العازل للصوت. وضعت يدها على المقبض النحاسي،
ودفعته.


الغرفة كانت غارقة في عتمة ثقيلة، لكن عينيها سرعان ما اعتادتا على
الظلام. 


لم يكن هناك وميض أحمر؛ الكاميرا الوحيدة التي تسجل الجلسات كانت
مطفأة تماماً. 


هذه الليلة لا توجد سجلات، لا توجد ملفات طبية، ولا قوانين. هذه
الليلة يتواجه الصياد والفريسة في حلبة مجردة من كل شيء سوى الجنون.


كان أيمن جالساً خلف مكتبه، في نفس وضعيته المعتادة، كأنه لم يغادر
كرسيه منذ أن تركته. 


ضوء القمر المسلط على نصف وجهه أظهر ملامحه الهادئة كتمثال من الشمع. 


لم يتحرك قيد أنملة عندما رفعت نور مسدسها وصوبت الفوهة السوداء
مباشرة نحو منتصف جبهته.


نور: لم تتفاجأ برؤيتي.


صوتها خرج مبحوحاً، خشناً، محملاً بكل الإرهاق والرعب الذي تجرعته في
الساعات الماضية.


أيمن: تفاجأتِ أنتِ عندما وجدتِ الباب مفتوحاً. أنا أترك الأبواب
مفتوحة دائماً لمن أدركوا أخيراً أنهم لا يملكون مكاناً آخر يذهبون إليه.


تقدمت نور خطوتين نحو المكتب. يدها القابضة على السلاح كانت ترتجف
بشكل طفيف، لكن عينيها كانتا تشتعلان بغضب وحشي.


نور: لقد عبثت بعقلي بما فيه الكفاية. الكاميرات مطفأة، ولا يوجد من
يسمعنا. انتهت ألاعيبك النفسية يا أيمن. سأنهي هذا الهراء هنا والآن.


ابتسم أيمن ببطء. انحنى للأمام قليلاً، وأسند مرفقيه على سطح المكتب
الخشبي العريض. لم ينظر إلى المسدس المصوب نحوه، بل نظر مباشرة إلى عينيها، يخترق
طبقات الدفاع المنهارة التي تحاول التمسك بها.


أيمن: أنتِ ترتجفين يا نور. ليس من الخوف مني، بل من الخوف من تلك
الراحة الغريبة التي تشعرين بها وأنتِ تحملين سلاحاً في الظلام دون حسيب أو رقيب.
أنتِ لم تأتِ إلى هنا لتطبيق العدالة.. أنتِ جئتِ لأنكِ اكتشفتِ أن القواعد التي
قضيتِ حياتكِ تحرسينها، هي مجرد قيود تافهة تمنعكِ من التنفس.


نور: اصمت! لا تنطق بكلمة أخرى! أنت مجرم متسلسل مريض، تستغل يأس
الناس وضعفهم لتلعب دور الإله. لكنك لست إلهاً. أنت مجرد رجل يجلس أمامي، ورصاصة
واحدة في جمجمتك ستخرس ذلك الصوت الذي زرعته في رأسي للأبد.


أيمن: هل تعتقدين حقاً أن الرصاصة ستقتلني؟ جسدي هذا مجرد وعاء، مجرد
أداة استخدمتها لفتح الأبواب الموصدة في عقول أمثالك. أنا لست محصوراً في هذا
اللحم والدم يا نور. أنا الفكرة التي استيقظت داخلكِ عندما نظرتِ في المرآة
الليلة. أنا الضحكة التي حاولتِ كتمانها.


صكّت نور أسنانها بقوة حتى كادت تتكسر. دفعت المسدس للأمام حتى أصبح
على بعد سنتيمترات من وجهه. كانت تستطيع سماع نبضات قلبها تضرب في أذنيها كطبول
حرب بدائية. كل خلية في جسدها كانت تصرخ لتضغط على الزناد، لتنهي هذا العذاب
المتدفق في عروقها.


نور: سأقتلك الآن!


لم يرمش أيمن. لم تتغير وتيرة تنفسه الهادئة. بل مد يده اليمنى ببطء
شديد، وفتح الدرج السفلي لمكتبه. 


حركة سحب الدرج الخشبي في ذلك السكون بدت كصوت فتح تابوت. 


أخرج مسدساً أسود لامعاً. لم يرفعه نحوها، بل وضعه بهدوء على سطح
المكتب، ودفعه بأطراف أصابعه المنمقة لينزلق ببطء ويستقر تماماً أمام يدها الحرة
المرتجفة.


نظر إليها بعينين خاويتين من أي انفعال بشري، وصوته الحريري البارد
ينساب ليغلف روحها العارية.


أيمن: اقتليني.. وستكتشفين أنني أسكن فيكِ أكثر من ذلك.


ساد صمت مطلق في الغرفة. صمت ثقيل، خانق، يبتلع حتى صوت أنفاسهما. 


نظرت نور إلى المسدس الرابض أمامها على المكتب، ثم نظرت إلى مسدسها
المصوب نحو رأسه. 


الكلمات التي نطق بها لم تكن مجرد تهديد، كانت حقيقة مرعبة تتسرب إلى
إدراكها. 


إذا سحبت الزناد الآن، في هذه الغرفة المظلمة، بعيداً عن القانون،
وبعيداً عن قسم الجرائم النفسية.. إذا قتلت رجلاً أعزل يجلس أمامها مبتسماً، فهي
لن تقتله حقاً. هي فقط ستوقع على عقد التنازل النهائي عن ما تبقى من إنسانيتها. هي
ستصبح هو.


شعرت بثقل السلاح في يدها يزداد، وكأن الجاذبية تتركز في تلك القطعة
المعدنية، تسحبها نحو الهاوية. 


الغرفة بدأت تدور بها ببطء، وتلك الضحكة المكتومة، ضحكة
"الآخر"، بدأت تتردد في جنبات جمجمتها من جديد، لكنها هذه المرة لم تكن
تحاول مقاومتها. كانت الضحكة تمتزج بنبضها، تتناغم مع أنفاسها، وتستقر في أعمق
نقطة في وعيها.


أنزلت نور مسدسها ببطء، مليمترًا تلو الآخر. الجاذبية كانت تسحب ذراعها
بقوة خفية، وكأن المعدن البارد قد اكتسب وزناً إضافياً. 


صوت أنفاس أيمن الهادئة كان الإيقاع الوحيد المسموع في الغرفة. 


نظرت نور إلى مسدسها، الرمز الأخير المتبقي لها من عالم القوانين،
الأخلاق، والعدالة. 


كل هذه المفاهيم بدت الآن باهتة ومثيرة للشفقة، مجرد حواجز وهمية
اخترعها الضعفاء لحماية أنفسهم من حقيقتهم.


أرخت أصابعها المرتجفة. انزلق المسدس الميري من يدها وسقط على السجاد
السميك بصوت مكتوم، كجثة هامدة سقطت لتلتقط أنفاسها الأخيرة.


تقدمت خطوة واحدة نحو المكتب. امتدت يدها اليمنى نحو المسدس الأسود
اللامع الذي وضعه أيمن أمامها. برودة المعدن لدغت أطراف أصابعها، لكن بمجرد أن
أحكمت قبضتها حول المقبض، شعرت بحرارة غريبة، لزجة وقوية، تسري في أوردتها. كانت
حرارة الانتماء. لقد تخلت عن سلاحها، لتحمل سلاحه. تخلت عن منطقها، لتعتنق جنونه.


رفعت السلاح ببطء وصوبت الفوهة المظلمة مباشرة نحو صدره. يدها لم تعد
ترتجف. اختفى التردد تماماً، وتلاشى الخوف، ليحل محلهما صفاء ذهني مرعب، وبرود لم
تعهده في نفسها من قبل.


نور: هل تعتقد أن موتك سينهيك؟


أيمن: (أغمض عينيه بسلام تام، والابتسامة الهادئة تتسع على شفتيه)
الموت مجرد باب آخر.. وأنا أمتلك المفتاح.


لم تفكر. ضغطت على الزناد.


ومضة نارية برتقالية شقت عتمة الغرفة الكثيفة، تبعها دوي انفجار أصمّ
الآذان كاد يمزق طبلة أذنها. ارتد جسد أيمن للخلف بفعل قوة الرصاصة، ليصطدم بمسند
الكرسي الجلدي بقوة. رائحة البارود اللاذعة ابتلعت رائحة خشب الصندل في كسر من
الثانية. 


بقعة حمراء داكنة بدأت تتفتح وتتسع على قماش سترته الأنيقة، في موضع
القلب تماماً. تماماً مثل العصفور الذي فتح صدره في طفولته ليرى كيف يعمل.


لم يصرخ. لم يتألم. ظلت عيناه الفارغتان تحدقان في سقف الغرفة المظلم،
والابتسامة المتجمدة تعلو وجهه كقناع شمعي أبدي. لقد مات سعيداً.


وقفت نور في مكانها وسط العتمة. خيط رفيع من الدخان يتصاعد من فوهة
المسدس في يدها. انتظرت أن يهاجمها الشعور بالذنب، أن تنهار باكية، أن تصرخ طالباً
للنجدة أو يتملكها الذعر مما اقترفت يداها. 


لكن شيئاً من هذا لم يحدث. بدلاً من ذلك، شعرت برئتيها تتسعان، كأنها
كانت تتنفس من ثقب إبرة طوال سنوات حياتها، والآن فقط، انفتح أمامها الهواء الطلق.



أغمضت عينيها، واستنشقت رائحة الدم والبارود. الصمت الذي خلفه دوي
الرصاصة لم يكن صمتاً فارغاً؛ بل كان يعج بنبضات خفية، بضحكات خافتة ومألوفة، تنبعث
من أعمق نقطة في كيانها لتستقر في مركز دماغها.


***


صوت قطرات الماء يضرب حوض السيراميك الأبيض في إيقاع رتيب.


وقفت نور في حمام شقتها. الضوء الفلوريسنتي البارد يغسل وجهها الشاحب.
أمامها، على الحائط، ما تبقى من المرآة الكبيرة التي هشمتها منذ ساعات بحذائها. 


رفعت كفيها المبللتين بالماء المتجمد ومسحت بهما وجهها بعنف، تزيل
آثار العرق البارد وبقايا ليلة طويلة من الاحتضار.. والولادة.


فتحت عينيها ببطء لتواجه انعكاسها في قطعة الزجاج الكبيرة المتبقية.


حدقت في الانعكاس طويلاً. لم تكن عينيها. البؤبؤ المتسع، النظرة
الميتة، والفراغ السحيق الذي يمتص كل ذرة ضوء في الغرفة. 


كان الفراغ ذاته الذي رأته في عيني أيمن. لقد ذاب القناع. المحققة
نور، الفتاة الشعبية القوية التي تقاتل لإنقاذ الأبرياء، احترقت بالكامل. لم تكن
هي الشخصية الحقيقية يوماً، كانت مجرد شخصية وهمية خلقتها لتهرب من الظلام القابع
في جيناتها، تماماً كما خلق "الآخر" شخصية "كريم" الموظف
الهادئ.


تشبثت بحواف الحوض بقوة، محاولة التمسك بآخر خيط واهٍ من هويتها
القديمة الممزقة. 


الشفاه في المرآة تحركت، لكن النبرة خرجت مهتزة، مكسورة، ومذعورة.


نور: أنا نور.. أنا نور..


المرأة في المرآة توقفت عن الحركة، بينما اتسعت ابتسامتها ببرود جليدي
قاطع. ومن أعمق نقطة في حنجرة نور، ومن بين شفتيها هي، خرج الصوت. 


لم يكن صوتها. كان صوتاً ذكورياً، ناعماً، حريراً، ومشبعاً بنشوة الانتصار.


أيمن: لا.. أنتِ أنا.


أرخت نور قبضتها عن حواف الحوض. تلاشت المقاومة الأخيرة. اعتدلت في
وقفتها، ونظرت إلى يديها، ثم ضحكت. ضحكة مكتومة، باردة، وممتلئة.. ضحكة ليست لها.


بعد مرور ستة أشهر.


أشعة الشمس الذهبية تتسلل عبر الستائر المعدنية الأنيقة، لترسم خطوطاً
مضيئة على السجاد الوثير. 


رائحة معقمة خفيفة تمتزج بعطر نسائي باهظ الثمن تملأ المكان. 


على باب الغرفة الخشبي الضخم والمبطن بمواد عازلة للصوت، عُلقت لافتة
نحاسية لامعة نُقش عليها بخط ديواني متقن: 


"د. نور - استشارية الطب النفسي".


في زاوية الغرفة العلوية، تومض عدسة كاميرا صغيرة بضوء أحمر خافت،
تسجل كل حركة.


تجلس نور خلف مكتبها العريض، ترتدي سترة سوداء بالغة الأناقة، شعرها
مصفف بعناية قاسية. 


تمسك بيمينها قلماً فضياً لامعاً، وتلفه بين أصابعها الطويلة بحركة
إيقاعية هادئة ومستفزة.


طَق.. طَق.. طَق..


على الكرسي الجلدي المقابل، يجلس شاب في مقتبل العمر، يفرك يديه بتوتر
وعيناه زائغتان مليئتان بالرعب.


المريض: لقد جئت إليكِ لأنني سمعت أنكِ الأفضل يا دكتورة. أنا خائف
جداً. أرى كوابيس لا تنتهي، وأشعر أن هناك شخصاً آخر يضحك ويراقبني من داخل رأسي.


توقفت أصابع نور عن لف القلم. وضعته على المكتب بصوت مكتوم، ومالت
بجذعها قليلاً نحو المريض. عيناها كانتا بئرين من العدم، لا غضب، لا حزن، لا
تعاطف. مجرد فراغ مفترس يقابله صمت مميت.


نور: هل تعلم ما هي مشكلة الكوابيس يا سيدي؟ نحن نعتقد أنها مجرد
أحلام مزعجة. لكن الحقيقة، هي الجزء الحقيقي منك يطرق الباب، لأنه غاضب من القناع
الذي ترتديه كل صباح.


المريض: (بصوت مهتز، ودموع تتجمع في عينيه) وماذا أفعل؟ أنا أختنق.


ابتسمت نور. 


ابتسامة واسعة، هادئة، لا تصل إلى عينيها أبداً.


نور: أنا هنا فقط لأفتح لك هذا الباب.


أسندت ظهرها ببطء إلى الكرسي الجلدي، وتجاوزت نظرتها جسد المريض
المرتجف، لتخترق الفراغ. 


اتسعت ابتسامتها
السايكوباتية أكثر، ومالت برأسها قليلاً في استمتاع مرعب.


 


تمت
               


تفاصيل الرواية

التصنيف: oUyAGNS3mzaMxMO7gut4o7stwWf1 - روايات عربية
الكاتب: admin
الحالة: مستمرة
سنة الإصدار: 2026
اللغة: العربية
مشاهدة: 4.0k

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *