سادَ سكونٌ ثقيلٌ أرجاءَ الشاليه بعد أن تبددت سُحبُ الغازِ المخدّر. كان المشهدُ يبدو وكأنه لوحةٌ صامتةٌ رُسمت بفرشاةِ الخيانة؛ "عزت" و"صلاح" ملقيانِ على الأرضِ كجثتينِ هامدتين، بينما كانت ليلى تقفُ وسطَ الغرفة، صدرُها يعلو ويهبطُ باضطراب، وعيناها تمسحانِ المكانَ بتركيزٍ شديد. لم تصرخ، ولم تستسلم للذعر. لقد تعلمت من الأيامِ الماضيةِ أن الخوفَ رفاهيةٌ لا تملكُها، وأنَّ العقلَ الهادئَ هو السلاحُ الوحيدُ في ساحةِ المعركة.
تخطت أجسادَ الخونة بخطواتٍ حذرة، واتجهت نحو البابِ الخارجيّ. كان الهواءُ الباردُ يصفعُ وجهَها، يحملُ معه رائحةَ الملحِ المنبعثةِ من البحرِ الهائج، ممزوجةً برائحةِ مطاطٍ محترق. ركضت نحو السورِ الخارجي، حيثُ كانت سيارةُ عمر محطمةً ومائلةً بزاويةٍ حادة. كان البابُ مفتوحاً، والزجاجُ متناثراً على الأرض كحباتِ ماسٍ قاسية.
"عمر.." همست بالاسم، واقتربت لتتفحصَ المقعدَ الأمامي. لم يكن هناك دماءٌ كثيرة، مما طمأنَ قلبَها قليلاً. لكنَّ الأهمَّ من ذلك، هو ما وجدتهُ مُلقىً على الأرضِ بجوارِ الإطارِ الأماميّ: قفازُ عمر الأسودِ الأيسر.
التقطت القفازَ بيديها المرتجفتين. كان يعلمُ أنها ستأتي للبحثِ عنه. عمر لا يتركُ قفازَهُ أبداً إلا إذا كان يريدُ تركَ رسالة. دست أصابعَها داخلَ القفاز، لتعثرَ على شريحةٍ معدنيةٍ دقيقة؛ شريحةُ التتبعِ التي كان يضعُها دائماً في ساعتِه. لقد انتزعَها وتركَها هنا عمداً. لقد سمحَ لهم باختطافِهِ ليتعقبَهم، وليتركَ لها الدليل. كان يثقُ في حصافتِها، ويثقُ أنها ستفهم.
في تلك اللحظة، اهتزَّ هاتفٌ في جيبِ "صلاح" الملقى داخلَ الشاليه. عادت ليلى مسرعة، والتقطت الهاتف. كانت هناك رسالةٌ نصيةٌ قصيرةٌ من رقمٍ مجهول: "أحضر الملفَّ القديمَ من قبوِ الشاليه إلى مخزنِ الميناءِ الغربيّ. المدبّرُ ينتظر، وصاحبُكَ لدينا."
"المدبّر.." نطقتها ليلى باشمئزاز. لقد انكشفت اللعبة. لم يكن عزت سوى بيدق، وصلاح لم يكن سوى خائنٍ مأجور. أما المدبرُ الحقيقي، فهو من يسحبُ الخيوطَ من العتمة.
لم تضيع وقتاً. نزلت إلى قبوِ والدِها كما أخبرها التسجيل، واستخرجت الملفَّ المطلوب. لم تقرأ حرفاً منه؛ فالورقُ لا يهمُّها بقدرِ ما يهمُّها الرجلُ الذي أضاءَ عتمةَ حياتِها. وضعت الشريحةَ المعدنيةَ في هاتفِها، وربطتْها ببرنامجِ التتبعِ الذي صممه عمر، ثم أرسلت إحداثياتِ الموقعِ إلى جهةٍ واحدةٍ فقط: اللواء محمود، رجلُ الشرطةِ الوحيدِ الذي أخبرها عمر أنه يثقُ به ثقةً عمياء.
انطلقت بسيارةِ صلاح نحو الميناءِ الغربيّ. كان الطريقُ موحشاً، والسماءُ تنذرُ بعاصفةٍ قريبة. وصلت إلى الميناءِ القديم، حيثُ الحاوياتُ الصدئةُ تصطفُّ كقبورٍ حديديةٍ عملاقة. أوقفت السيارة، ونزلت والملفُّ في يدها، تخطو بحذرٍ وسطَ بركِ المياهِ الراكدة.
"أنا هنا!" صدحَ صوتُها في الفراغِ المظلم. "أحضرتُ ما تريدون. أين عمر؟"
أُضيئت كشافاتٌ عملاقةٌ بشكلٍ مفاجئ، لتعمي بصرَها لثوانٍ معدودة. وحين استطاعت الرؤية، تجمدت الدماءُ في عروقِها.
في وسطِ الساحة، كان عمر مقيداً إلى كرسيٍّ حديديّ. وجهُهُ كان يحملُ كدماتٍ واضحة، والدماءُ تسيلُ من جرحٍ عميقٍ في جبهتهِ لتلطخَ ياقةَ قميصِهِ الأبيض. كان يبدو منهكاً، لكنَّ عينيهِ الرماديتينِ كانتا تشتعلانِ بتحدٍ لم ينطفئ.
ومن خلفِ عمر، ظهرَ رجلٌ يستندُ إلى عصا خشبيةٍ أنيقة. كان رجلاً طاعناً في السن، ملامحُهُ قاسيةٌ كالجرانيت، وعيناهُ تشعانِ حقداً دفيناً.
"منصور الجارحي.." قالت ليلى بذهول. لقد قيلَ إنه انتحرَ منذُ سنواتٍ طويلة بعد إفلاسِه.
"مرحباً يا ابنةَ السيوفي." قال منصور بصوتٍ أجش، وهو يقتربُ ببطء. "أرى أنكِ تتمتعينَ بشجاعةِ والدِك. لكنَّ الشجاعةَ وحدَها لا تكفي في مواجهةِ المدبّرِ الذي خططَ لكلِّ هذا."
"ماذا تريد؟" سألت ليلى بصرامة، وهي تتقدمُ خطوةً للأمام. "الملفُّ معي. اتركْه."
ضحكَ منصور ضحكةً جافةً متقطعة. "الملف؟ الملفُّ لم يعد يهمُّني بقدرِ ما يهمني أن أرى إمبراطوريةَ الجندي تنهارُ من الداخل. هل تعرفينَ يا ليلى لماذا اخترتُ هذه اللحظة؟ لكي أجعلكِ تدركينَ الحقيقةَ قبلَ أن تموتي معه."
نظرَ منصور إلى عمر، وضربَهُ بطرفِ عصاهُ على كتفِهِ المصاب، فتأوهَ عمر بألمٍ مكتوم.
"أخبرْها يا عمر!" صرخَ منصور. "أخبرها من الذي دفعَ والدي للانتحار! أخبرها أن والدكَ هو من لفّقَ لي التهم، وأنه تواطأَ مع والدِ ليلى لسلبِ كلِّ ما أملك. أنتما أبناءُ لصوص، وهذا الزواجُ ليس سوى محاولةٍ بائسةٍ للتكفيرِ عن ذنوبِ الآباء!"
نظرت ليلى إلى عمر. كان قلبُها ينبضُ بعنف. توقعَ منصور أن تنهارَ، أن تصرخ، أو أن تُلقي بالملفِّ وتهرب. لكنَّ ليلى السيوفي كانت أصلبَ من ذلك.
قالت بهدوءٍ وثبات: "حتى لو كان ما تقوله صحيحاً يا منصور، فما ذنبُنا نحن؟ هل جئتَ من الموتِ لتعاقبنا على أفعالٍ لم نرتكبْها؟ أنتَ لا تبحثُ عن العدالة، أنتَ تبحثُ عن الخراب. وعمر ليس والدَه، وأنا لستُ والدي. نحنُ لن ندفعَ فواتيرَ حقدِك."
اتسعت عينا منصور بغضب. "إذن، فلتموتا معاً."
أشارَ منصور لحراسهِ بأن يتقدموا. وفي تلك اللحظةِ الحاسمة، ارتفعت أصواتُ ساريناتِ الشرطةِ من كلِّ مكان. اقتحمت السياراتُ المدرعةُ ساحةَ الميناء، ووجهت مصابيحَها وأسلحتَها نحو رجالِ منصور. لقد وصلت القواتُ بناءً على الإشارةِ التي أرسلتها ليلى.
سادَ الهرجُ والمرج. وفي غفلةٍ من الحراسِ الذين تراجعوا في ذعر، استغلَّ عمر الفوضى. كان طوالَ الوقتِ يفركُ الحبلَ الغليظَ بحافةٍ معدنيةٍ حادةٍ خلفَ الكرسي. بانقطاعِ الحبل، نهضَ كالنمرِ الجريح، وركلَ الحارسَ الأقربَ إليه، ليُسقطَ سلاحَه.
"ليلى، انبطحي!" صرخَ عمر بأعلى صوتِه.
ارتمت ليلى على الأرض، بينما اندلعت اشتباكاتٌ سريعةٌ ومحدودةٌ بين الشرطةِ وحرسِ منصور. كان عمر يترنحُ من التعب، لكنه اندفعَ نحو ليلى، ليغطيَ جسدَها بجسدِهِ خلفَ إحدى الحاويات، حامياً إياها من أيِّ رصاصةٍ طائشة. كان يتنفسُ بصعوبةٍ بالغة، والدماءُ تقطرُ من جبهتِهِ على الأرض.
"هل أنتِ بخير؟" سألَ وهو يلهث، وعيناهُ تتفحصانِها بخوفٍ حقيقي.
"أنا بخير.. أنا بخير." قالت ليلى وهي تنظرُ إلى وجههِ الشاحبِ وجراحه. "لقد انتهى الأمر يا عمر. الشرطةُ أحكمت السيطرة."
بالفعل، تمَّ إلقاءُ القبضِ على منصور الجارحي ورجالِه. اقتربَ اللواءُ محمود من عمر، وربتَ على كتفِهِ بحذر. "لقد انتهى الكابوسُ يا بني. سنأخذُ هذا الرجلَ ليواجهَ ماضيهِ وحاضره معانا."
نهضَ عمر بصعوبةٍ شديدة، واستندَ إلى جدارِ الحاوية. رفضَ الصعودَ إلى سيارةِ الإسعاف، وطلبَ من ليلى أن تعودَ به إلى القصر. كان يكرهُ المستشفيات، ويكرهُ نظراتِ الشفقة، وكان يحتاج فقط إلى مساحتِهِ الآمنة.
عادا إلى قصرِ الجندي مع بزوغِ خيوطِ الفجرِ الأولى. كان القصرُ هادئاً، صامتاً، وكأنه يغسلُ أحزانَ الليل. دخلَ عمر إلى جناحِهِ بخطواتٍ ثقيلة، وسقطَ على الأريكةِ الجلديةِ الواسعةِ في غرفتِه، مغمضاً عينيهِ بتعبٍ شديد. كان جسدُهُ منهكاً، وكلُّ عضلةٍ فيهِ تصرخُ من الألم.
لم تتركْهُ ليلى. أحضرت صندوقَ الإسعافاتِ الأولية، ووعاءً صغيراً به ماءٌ دافئٌ ومنشفةٌ نظيفة. جلست بجوارِهِ على حافةِ الأريكة. كانت حركاتها هادئة، مدروسة، لا تحملُ أيَّ تطفل، بل تحملُ رعايةً خالصة.
"عمر.." همست بصوتٍ رقيق. "يجبُ أن أنظفَ هذا الجرحَ حتى لا يلتهب."
فتحَ عينيهِ ونظرَ إليها. لم يكن هناك برود، ولا حواجز بينهم هذه المرة، بل كان هناك استسلامٌ تامٌ لرجلٍ ألقى دروعَهُ أخيراً. أومأَ برأسِهِ بضعف.
بدأت ليلى تمسحُ الدماءَ عن جبهتِهِ برفقٍ شديد. كانت أصابعُها ترتجفُ قليلاً، لكنها تملكت نفسَها. ثم انتقلت إلى كدماتِ وجهه، تمسحُ عنها غبارَ الميناءِ وأثرَ المعركة. كان عمر يراقبُ ملامحَها القريبة، يراقبُ تركيزَها، وعينيها اللتينِ تفيضانِ بقلقٍ صادق.
حين انتهت من وجهِه، نظرت إلى يدهِ اليمنى التي كانت عاريةً من القفازِ ومجروحةً بجروحٍ سطحية. ترددت للحظة، ثم مدت يدَها وأمسكت بكفِّهِ بلطف، وبدأت تعقمُ الجروحَ بقطنةٍ مبللة. لم يسحبْ يدَهُ، ولم يرتجف، لكنهُ أغمضَ عينيهِ وعضَّ على شفتيهِ وكأنه يصارعُ أفكاراً بعيدة.
"هل يؤلمكَ المطهر؟" سألت بخفوت.
"لا." قال بصوتٍ عميق، ثم فتحَ عينيهِ ونظرَ إلى يديها وهي تعتني بيده. "الألمُ ليس هنا يا ليلى. الألمُ أعمقُ من ذلك."
توقفت ليلى عن الحركة، ونظرت في عينيه، منتظرةً أن يكمل. كانت تدركُ أن هذه اللحظةَ هي لحظةُ البوحِ التي لطالما تهربَ منها.
أخذَ عمر نفساً طويلاً، وقال بصوتٍ يحملُ شجناً قديماً: "تتساءلينَ دائماً عن القفازات.. عن سببِ رفضي للمسِ أيِّ إنسان. الجميعُ يظنُّ أنه مرضٌ نفسي، أو خوفٌ من الجراثيم، أو حتى عقدةٌ من الدماء. لكنَّ الحقيقةَ أبسطُ وأقسى من ذلك."
جلست ليلى باهتمام، لم تقاطعه.
"حين كنتُ طفلاً، وفي ليلةِ الحادثِ الذي أودى بحياةِ والدتي.." بدأ يتحدثُ وعيناهُ تنظرانِ إلى الفراغ، "لم أكن بعيداً عنها. كنتُ بجوارها حين انقلبت السيارة. كنتُ محاصراً، وكانت هي تنزف. مددتُ يدي الصغيرةَ وأمسكتُ بيدِها. كانت دافئة، كانت تنبضُ بالحياة، وكانت تطمئنني وهي تلفظُ أنفاسَها الأخيرة."
شحبَ وجهُ ليلى، وشعرت بغصةٍ في حلقِها.
أكملَ عمر بصوتٍ متهدج: "ظللتُ ممسكاً بيدِها لساعاتٍ في الظلام، أنتظرُ النجدة. وخلالَ تلك الساعات، شعرتُ بالحرارةِ تتسربُ من أصابعِها تدريجياً. شعرتُ بالحياةِ وهي تنسحب، حتى أصبحت يدُها باردةً كالثلج، قاسيةً كالموت. لقد راقبتُ الموتَ وهو يسرقُ أمي من خلالِ ملمسِ يديها."
نزلت دمعةٌ صامتةٌ من عينِ ليلى، ولم تحاول مسحَها.
"منذُ ذلك اليوم.." قال عمر وهو ينظرُ إلى يدهِ العارية، "أصبحَ التلامسُ البشريُّ بالنسبةِ لي هو نذيرُ الفقد. حين ألمسُ بشرةً دافئة، لا أشعرُ بالحنان، بل يصرخُ عقلي منتظراً اللحظةَ التي ستبردُ فيها هذه البشرة. أرتدي القفازاتِ لأعزلَ نفسي عن حرارةِ الحياة، لأنني أرتعبُ من برودةِ الموتِ التي تليها."
كانت هذه هي الحقيقةُ العارية؛ خوفٌ من الفقدِ تُرجمَ إلى رهبةٍ من اللمس. لم يكن غروراً، ولا قسوة، بل كان قلباً ينزفُ منذُ الطفولة.
لم تتسرع ليلى في الرد. لم تعانقْهُ بقوةٍ لتثبتَ له العكس، فالوقتُ غيرُ مناسبٍ للضغطِ عليهِ جسدياً وهو في قمةِ إرهاقِه وضعفِه. بدلاً من ذلك، قامت بخطوةٍ بسيطةٍ لكنها تحملُ كلَّ معاني السند.
أخذت لفةً من الشاشِ الطبي، وبدأت تلفُّها برفقٍ حولَ جروحِ يده. وحين انتهت، وضعت كلتا يديها فوقَ يدهِ المضمدة. كانت اللمسةُ تعبرُ من خلالِ الشاش، تمنحُهُ الدفءَ دونَ أن تجبرَهُ على تلامسٍ مباشرٍ يثيرُ مخاوفه.
"لن أبردَ يا عمر." قالت ليلى بصوتٍ واثقٍ وحنون، وعيناها تلتقيانِ بعينيهِ في حوارٍ صامتٍ للرواح. "أنا هنا، وسأبقى هنا. لن أدعَ الموتَ يسرقُ دفئي، ولن أدعَ الخوفَ يسرقُ حياتَك. سنعبرُ هذه العتمةَ معاً، خطوةً بخطوة."
شعرَ عمر بصدقِ كلماتها يسري. أراحَ رأسَهُ إلى الخلفِ على وسادةِ الأريكة، وأغمضَ عينيهِ براحةٍ لم يشعرْ بها منذُ عقود. لم يكن هناك شغفٌ جامحٌ في هذه الليلة، بل كان هناك ما هو أعمق؛ كان هناك أمان. الأمانُ الذي يغني عن ألفِ كلمةٍ وألفِ عناق.
في صباحِ اليومِ التالي، كانت الشمسُ تسطعُ في سماءِ الإسكندرية، كأنها تغسلُ المدينةَ من خطايا الليل. كان عمر لا يزالُ نائماً بعمقٍ على الأريكة، ملامحُهُ هادئةٌ خاليةٌ من التوتر.
كانت ليلى تجلسُ على كرسيٍّ قريب، تشربُ قهوتَها الصباحية، وتفكرُ في كلِّ ما حدث. لقد انتهت أسطورةُ منصور الجارحي، وصلاحُ الخائنُ يقبعُ في السجن. هل انتهت المعركةُ حقاً؟
نهضت ليلى لترتبَ الغرفة. التقطت سترةَ عمر الممزقةَ من على الأرضِ لتضعَها في سلةِ المهملات. وحين رفعتْها، سقطت من جيبِها الداخليّ تلك القلادةُ الذهبيةُ الصغيرةُ التي كانت تعودُ لـ "سارة"، والتي احتفظَ بها عمر طوالَ هذه السنوات.
انفتحَ غطاءُ القلادةِ إثرَ سقوطِها على الأرضيةِ الخشبية. انحنت ليلى لتلتقطَها، ووقعَ بصرُها على الصورةِ الصغيرةِ المخبأةِ بالداخل.
لم تكن صورةً لسارة بمفردها، ولم تكن صورةً لعمر. كانت صورةً فوتوغرافيةً قديمةً، تظهرُ فيها فتاةٌ شابةٌ تبتسمُ بوضوح.. إنها سارة. ولكن، كان يقفُ بجوارِها شابٌ يضعُ ذراعَهُ حولَ كتفيها في لقطةٍ عائليةٍ حميمة.
ضاقت عينا ليلى وهي تدققُ في ملامحِ الشاب. كان هو نفسُهُ الرجلُ الذي خانهم، الرجلُ الذي اعتبروهُ ظلاً وفيّاً. كان هو "صلاح" في شبابه!
قلبت ليلى الصورةَ بأصابعٍ مرتجفة، لتقرأَ ما كُتبَ خلفَها بخطٍ أنثويٍّ رقيق:
"إلى أخي الأكبر وسندي في هذه الدنيا.. صلاح. أحبك دائماً - سارة."
اتسعت عينا ليلى بصدمةٍ ألجمت لسانَها. صلاح لم يكن مجردَ خائنٍ اشتراهُ منصور بالمال. صلاح كان شقيقَ سارة! لقد كان يعيشُ مع عمر كلَّ هذه السنوات، يأكلُ معهُ ويحميه، وهو يضمرُ في قلبِهِ ثأراً دموياً لأختهِ التي ظنَّ أن عمر وعائلتَهُ هم سببُ هلاكِها.
الخائنُ لم يسقط.. الخائنُ الحقيقيُّ كان يرتدي قناعَ الوفاءِ لسنوات، والآن وقد انكشفَ أمرُه وتم القبضُ عليه، ماذا تركَ خلفَهُ من قنابلَ موقوتة؟
نظرت ليلى إلى عمر النائم، وأدركت أن رمادَ الماضي لم ينطفئْ بعد، وأنَّ هناك شرارةً أخيرةً قد تحرقُ الأخضرَ واليابس.
فجأة، رنَّ هاتفُ ليلى برقمٍ مجهول. ترددت للحظة، ثم أجابت بصمت.
جاءَها صوتٌ باردٌ، مسجلٌ مسبقاً، وهو صوتُ صلاح نفسِه:
"آنسة ليلى.. إذا كنتِ تسمعينَ هذه الرسالة، فهذا يعني أنني في قبضةِ الشرطة، وأنكم تظنونَ أنكم انتصرتم. لكنكم نسيتم شيئاً مهماً.. ثأري لن يسقطُ بسجني. هناك هديةٌ أخيرةٌ تركتُها لعمر في أسفلِ سيارتهِ التي استخدمتموها للعودةِ إلى القصر.. أمامكم دقيقةٌ واحدةٌ لتبتعدوا."
نظرت ليلى من النافذةِ الضخمةِ المطلةِ على الساحةِ الأماميةِ للقصر، حيثُ كانت سيارةُ صلاح التي عادت بها تركنُ بهدوء.. والوقتُ يمر!
ماذا ستفعلُ ليلى في هذه الثواني القاتلة؟ وكيف ستنقذُ عمر وهو في هذه الحالةِ من الإنهاك؟ وهل يُخفي صلاح أسراراً أخرى عن موتِ أختِه؟
نبذه عن الرواية
جاري التحميل…
رمادُ الماضي وعهدُ اليقين
………
تفاصيل الرواية
التصنيف:
حجب - روايات عربية
الكاتب:
admin
الحالة:
مستمرة
سنة الإصدار:
2026
اللغة:
العربية
مشاهدة:
4.0k
اترك تعليقاً