استيقظت فيروز قبل أن يطلع الضوء الكامل من النوافذ العالية في غرفة المستشفى. لم تكن قد نامت حقًا، فقط أغمضت عينيها لساعات متقطعة، تتنقل بين القلق والصمت. الكرسي الذي جلست عليه طوال الليل ترك أثره في جسدها، لكن التعب لم يكن جسديًا بقدر ما كان ثقلًا في صدرها، كأن شيئًا انكسر بداخلها ولم تجد له اسمًا بعد.نهضت بهدوء واقتربت من السرير. أمها كانت نائمة، أنفاسها منتظمة نسبيًا، والجبيرة البيضاء تحيط بساقها مثل شاهد صامت على ما حدث. مدّت فيروز يدها وعدّلت الغطاء فوقها، ثم انسحبت إلى الممر.
في الخارج، كانت المستشفى تستيقظ على ضجيج خافت. ممرضات يسرن بسرعة، أصوات عربات معدنية، وشكاوى متقطعة من غرف أخرى. وقفت فيروز قرب الشباك الصغير في نهاية الممر، تنظر إلى الشارع. السيارات تمرّ وكأن شيئًا لم يحدث، والمدينة تمضي في يومها العادي، بينما عالمها هي توقف فجأة.
أخرجت هاتفها، نظرت إلى الشاشة، ثم اتصلت.
— أيوه يا خالتي؟؟
— أنا في المستشفى يا خالتي… أيوه، ماما رجليها اتكسرت… البيت؟
سكتت لحظة، ثم قالت بصوت منخفض:
— لسه مش عارفة… بس شكله صعب.
أنهت المكالمة وأغلقت الهاتف ببطء. كلمة البيت لم تعد تعني جدرانًا فقط، بل كل ما كان ثابتًا في حياتها واهتز في ليلة واحدة.
في الوقت نفسه، كان ياسين يجلس في مكتبه بالقسم، فنجان القهوة أمامه لم يمسّه. الملف المفتوح على مكتبه لم يكن غريبًا عليه، لكنه بدا أثقل من كل الملفات التي قرأها من قبل. صور المبنى، تقرير الانهيار الجزئي، أسماء المصابين، وتوصية بالإخلاء الفوري.
دخل محمود وهو يحمل أوراقًا إضافية.
— صباح الخير يا ياسين.
رد دون أن يرفع عينيه:
— صباح النور.
وضع محمود الأوراق على المكتب وقال بنبرة أقل مرحًا من المعتاد:
— التقرير النهائي جه… المبنى حالته خطر جدًا. القرار هيطلع بالإزالة الكاملة.
رفع ياسين رأسه أخيرًا، نظر إلى الورق ثم قال بهدوء جامد:
— يعني مفيش حل تاني غير كد ؟؟
هز محمود رأسه:
— من الناحية الهندسية؟ لأ. ومن الناحية القانونية؟ كمان لأ.
صمت ياسين لحظة، ثم قال:
— طيب… خلّي القرار يمشي واعمل الاجراءات اللازمة
تردد محمود قبل أن يسأله:
—طب والناس يا ياسين هتروح فين؟
نظر إليه ياسين نظرة قصيرة وقال:
— فيه تعويض وإخلاء مؤقت حسب القانون.
ضحك محمود ضحكة خافتة بلا فرح:
— القانون عمره ما شال حد من البرد يا ياسين.
لم يرد ولم يجبه. بل عاد بنظره إلى الملف، لكن الكلمات لم تعد واضحة كما كانت.
في المستشفى، دخلت الممرضة غرفة أم فيروز وقالت بابتسامة مهنية:
— صباح الخير، إحنا هننقل المريضة أوضة عادية النهارده.
اقتربت فيروز بسرعة:
— يعني نقدر نمشي قريب؟
— ممكن، بس محتاجين حد يكون معاها دايمًا علشان مش هتعرف تمشي لوحدها.
أومأت فيروز:
— أنا معاها.
-اجابة الممرضة:تمام الي يريحك انهت جملتها تلك وتركتهم مغادرة الغرفه
جلست فيروز بعدها بجوار أمها التي بدأت تستيقظ ببطء. فتحت عينيها وقالت بصوت ضعيف:
— إحنا فين؟
ابتسمت فيروز رغم إرهاقها:
— في المستشفى يا ماما… انتي كويسة.
تنهدت الأم وقالت:
— والبيت؟
سكتت فيروز ثانية، ثم قالت:
— هنشوف حل… متقلقيش.
لكن القلق كان حاضرًا في عينيها أكثر من أي كلمة.
********
عند الظهيرة، كان ياسين يقف مع قوة صغيرة أمام المبنى. الشريط الأصفر يحيط بالمكان، والناس واقفة على مسافة، تراقب بوجوه متوترة. لمح وجوهًا كثيرة، لكن عينيه توقفتا عند فيروز عندما وصلت مسرعة، تتكئ على امرأة أخرى.
تقدمت بخطوات سريعة، عيناها تبحثان عن أحد يفهم.
توقفت أمامه دون أن تعرف من يكون، وقالت بصوت مهزوز لكنه واضح:
— لو سمحت… البيت ده هيتهد؟
نظر إليها للحظة، عرفها فورًا.
قال بهدوء رسمي:
— لسه الإجراءات شغالة، بس المبنى خطر ولازم إخلاء.
— إخلاء؟
ضحكت بمرارة:
— «يعني نمشي وخلاص؟»
قال وهو يحاول ضبط نبرته:
— فيه تعويض وإجراءات قانونية.
رفعت رأسها ونظرت إليه مباشرة:
— القانون ده بيقول ننام فين؟
ساد صمت قصير، ثقيل. لم يجد جوابًا جاهزًا هذه المرة.قال أخيرًا:
— ممكن تتواصلي مع محامي
قاطعته بنبرة حادة:
— إحنا مش أرقام في ملف.
نظر إليها مطولًا، ثم قال بصوت أخف:
— أنا فاهم… بس اللي في إيدي محدود مش بايدي حاجه اعملها ي انسة ده القانون
هزت رأسها خطوة للخلف
— يبقى محدش فاهم.
ابتعدت، وتركت وراءها سؤالًا ظل واقفًا بينه وبين المبنى.
وقف ياسين مكانه، ينظر إلى البيت، ثم إلى الناس، ثم إلى يده التي كانت تكتب التقارير دائمًا بلا تردد.
لأول مرة شعر أن القانون، الذي آمن به طويلًا، صار وجهًا يراه أمامه… لا نصًا مكتوبًا.
*****
غادرت فيروز المكان، وبقي ياسين واقفًا للحظات لا يتحرك. كان الشارع يعود تدريجيًا إلى صخبه المعتاد، لكن داخله ظل معلقًا عند جملة واحدة لم تستطع أن تتركه:
إحنا مش أرقام في ملف.
هزّ رأسه كمن يفيق من شرود، ثم أعطى أوامره بإنهاء التأمين، وعاد إلى سيارته. لم يعد إلى القسم هذه المرة، بل غيّر طريقه دون تفكير، وكأن المدينة نفسها تقوده إلى مكان آخر.
في الجهة المقابلة من الإسكندرية، كان آدم يجلس في مكتبه الصغير، محاطًا بأكوام من الملفات التي لا تشبه بعضها إلا في شيء واحد: وجوه أصحابها المتعبة. المكتب لم يكن فخمًا، لكنه مرتب، يعكس عقل صاحبه؛ كل شيء في مكانه، حتى الفوضى كانت محسوبة.
دخلت السكرتيرة وقالت:
— في بنت برا يا أستاذ آدم… شكلها صغير شوية، ومعاها ست.
رفع رأسه من الملف وسأل:
— قوليلهم يتفضلوا .
دخلت غفران بخطوات مترددة، رأسها منخفض، ويداها متشابكتان بقوة. خلفها كانت تقف امرأة في منتصف الأربعينات، ملامحها قاسية، وعيناها لا تعرفان التردد.
قالت المرأة مباشرة:
— إحنا جايين نخلص موضوع.
نظر آدم إلى غفران أولًا، ثم للمرأة وقال بهدوء:
— اتفضلوا اقعدوا.
جلست المرأة، بينما بقيت غفران واقفة للحظة قبل أن تجلس على طرف الكرسي، كأنها تخشى أن تأخذ مساحة أكبر من اللازم.
— قوليلي بقى يا مدام الموضوع إيه؟
قالها آدم وهو يفتح دفتره.
ردت المرأة:
— بنتي هتتجوز.
توقفت يد آدم عن الكتابة.
— سنها كام؟كملت السنه القانوني ولا لاء؟
تدخلت غفران بصوت منخفض بالكاد يُسمع:
— لسه ما كملتش.
رفعت المرأة صوتها:
— «قربت تكمل، وبعدين الجواز ستره.
نظر آدم إليها بثبات:
— القانون مش بيشوف الستر بالطريقة دي.
قالت بسخرية:
— القانون؟! وإحنا نعرف نعيش بالقانون؟
مال آدم للأمام قليلًا، صوته بقي هاديًا لكن حازمًا:
— القانون هنا علشان يحميها، مش يعقّد حياتكم.
رفعت غفران رأسها لأول مرة، نظرت إليه نظرة سريعة، ثم أعادت عينيها إلى الأرض. كانت تلك النظرة مليئة بشيء يشبه الرجاء، لكنها خافتة، كأنها لا تثق في أن الرجاء مسموح لها.
قالت المرأة بضيق:
— إحنا مش جايين نسمع محاضرة… إحنا جايين نعرف نمشي في الموضوع إزاي من غير مشاكل.
تنفس آدم بعمق، ثم قال:
— الموضوع ده فيه مشاكل من أساسه. وأي جواز قبل السن القانوني باطل.
سادت لحظة صمت ثقيلة.
قالت غفران فجأة، بصوت مرتعش لكنه واضح:
— «أنا مش عايزة أتجوز دلوقتي.»
التفتت المرأة إليها بحدة:
— إنتي هتعدلي عليّا؟
رفع آدم يده بهدوء:
— لو سمحتي… سيبيها تتكلم.
نظرت إليه المرأة بغضب، لكنه لم يبدُ متراجعًا. قالت غفران وهي تحاول التحكم في صوتها:
— أنا عايزة أكمل تعليمي… عايزة أكون حاجة مهمه ده حلمي
لمعت عيناها، لكنها لم تبكِ.
نظر آدم إليها طويلًا، ثم قال:
— حقك.
كلمة واحدة، لكنها سقطت في المكان بثقل غير متوقع.
قالت المرأة بسخرية مريرة:
— «حقها؟طب وإحنا؟»
رد آدم بهدوء:
— حقكم إنكم تطمنوا عليها، مش تبيعوا خوفكم في شكل جواز.
وقفت المرأة بعصبية:
— إحنا مش هنكمّل الكلام ده.
نظر آدم إلى غفران وقال قبل أن تخرج وهو يشير ناحية الباب:
— لو احتاجتي أي حاجة… الباب ده مفتوح.
ترددت غفران لحظة، ثم همست:
— شكرًا.
خرجتا الاثنتان ، وبقي آدم وحده. أغلق الدفتر ببطء، وأسند ظهره إلى الكرسي. لم تكن هذه أول قضية من هذا النوع، لكنه شعر بشيء مختلف هذه المرة، كأن الخيط بين القانون والإنسان كان أرفع من المعتاد.
في الخارج، كانت غفران تسير خلف المرأة بصمت. الشارع مزدحم، لكن داخلها كان فراغ واسع. لأول مرة تشعر أن هناك من رآها كما هي، لا كعبء ولا كملف، بل كإنسانة.
وفي مكان آخر، كان ياسين يقود سيارته ببطء، يفكر في كلمات فيروز، دون أن يعلم أن خيوطًا أخرى كانت تُنسج في المدينة نفسها…
خيوط مختلفة، لكنها جميعًا تشدّ في الاتجاه ذاته.
ولم يكن أحد منهم يعرف بعد أن القانون، الذي بدا لهم جميعًا قاسيًا أو باردًا، سيصبح ساحة مواجهة… وحماية
****
مع اقتراب المساء، كانت الإسكندرية تبدو أقل صخبًا، كأنها أنهكت من يوم طويل أكثر مما تحتمل. في شقة صغيرة بحي شعبي سيدي بشر بعيد عن البحر، جلست غفران على طرف السرير، تضم ركبتيها إلى صدرها، تنظر إلى الحائط الخالي. كلمات آدم كانت ما تزال ترنّ في أذنها: حقك.
لم تكن معتادة على أن يقول أحد هذه الكلمة بسهولة. الحق، في حياتها، كان دائمًا مؤجلًا، أو مشروطًا، أو ممنوحًا منّة لا أصلًا. مدت يدها تتحسس دفترها الصغير الموضوع تحت الوسادة، فتحته ببطء، قلبت الصفحات التي امتلأت بخطها المرتبك وأحلامها المؤجلة، ثم أغلقت الدفتر كأنها تخاف أن يراها أحد وهي تحلم.
دخلت أمها الغرفة دون أن تستأذن.
— لسه قاعدة؟
اجابت غفران بهدوء:
— أيوه.
وقفت الأم عند الباب وقالت بنبرة حاسمة:
— الكلام اللي اتقال النهارده ده يتنسى.
رفعت غفران عينيها إليها وسألت، لأول مرة دون خوف:
— ليه؟
تجمدت الأم لحظة، ثم قالت:
— علشان مصلحتك.
ابتسمت غفران ابتسامة خفيفة لا تشبهها، وقالت بصوت منخفض:
— يمكن مصلحتي غير اللي انتي فاكرها يا ماما
لم ترد الأم، فقط أغلقت الباب خلفها. وبقيت غفران وحدها، لكنها لم تشعر بالوحدة كما كانت من قبل فحديث ادم مازال يتردد في اذنها
في الوقت نفسه، كان آدم يسير على الكورنيش، يترك الهواء يصفع وجهه محاولًا ترتيب أفكاره. لم يكن معتادًا أن يحمل قضية معه إلى البيت، لكنه شعر أن غفران لم تكن قضية عادية. كانت أشبه بسؤال أخلاقي مباشر وُضع أمامه فجأة:
هل يكفي أن تعرف القانون… أم يجب أن تؤمن به؟
وقف عند السور، نظر إلى البحر، وأخرج هاتفه. فتح ملفًا جديدًا وبدأ يدوّن ملاحظات سريعة.
— قاصر… ضغط أسري… محاولة زواج قسري…
توقف قليلًا، ثم كتب:
— إجراءات حماية.
أغلق الهاتف وتنفس بعمق. كان قد قرر، حتى لو لم يعترف لنفسه بعد.
******
أما في حي الأنفوشي، فكانت الليلة مختلفة. البيوت التي بقيت واقفة بدت كأنها تتكئ على بعضها خوفًا من السقوط. فيروز كانت عائدة من المستشفى بعد أن اطمأنت على والدتها التي ستبقى تحت الملاحظة ليومين. سارت في الشارع الضيق بخطوات بطيئة، تحمل كيسًا صغيرًا وبعض الأوراق، وتشعر أن الحي لم يعد كما كان.
اقتربت منها جارتها أم حسن وقالت:
— طمنيني يا بنتي… أمك عاملة إيه؟
أجابت فيروز بابتسامة متعبة:
— أحسن شوية الحمد لله.
قالت المرأة وهي تشير إلى البيوت:
— بيقولوا القرار خلاص ولازم يتنفذ
أومأت فيروز:
— عارفة.
لم تعد الكلمة تخيفها كما في الصباح، لكنها ما زالت تؤلم.
في القسم، كان ياسين يكتب تقريره الأخير عن الحادث. يقرأ كل سطر مرتين، وكأن الكلمات لم تعد تطيعة كما اعتاد. توقف عند خانة التوصيات، وظل القلم معلقًا في يده لثوانٍ طويلة. كتب أخيرًا، بخط واضح:
ضرورة الإسراع في توفير بدائل آمنة للأهالي قبل التنفيذ.
قرأ الجملة مرة أخرى، ثم أغلق الملف. لم يكن متأكدًا إن كانت ستُغيّر شيئًا، لكنه شعر أنه لو لم يكتبها، سيخسر شيئًا من نفسه.
عاد إلى بيته متأخرًا. هذه المرة، أشعل الضوء. وقف في منتصف الصالة، كأنه يرى المكان لأول مرة. جلس على الأريكة، وأسند رأسه إلى الخلف، وأغمض عينيه. صورة فيروز عادت إليه، لكنها لم تكن وحدها. كانت صورة حي كامل، وناس، وبيوت، وأصوات.
في تلك الليلة، لم ينم أحد منهم بسهولة.
غفران كانت تفكر في كلمة حقك. آدم كان يفكر في حدود القانون ومسؤوليته.
فيروز كانت تفكر في بيت لم يعد آمنًا، لكنه لم يفقد قيمته. وياسين كان يفكر في أول مرة يشعر فيها أن تنفيذ الأوامر لا يكفي. كانت تلك الليلة هي الخطوة الأولى.
ليس نحو حل واضح بل نحو مواجهة طويلة تحت ظل القانون.
نبذه عن الرواية
جاري التحميل…
حيث يصبح القانون وجهاً
………
تفاصيل الرواية
التصنيف:
sRsiHShNroQEVUeBwaEHrgLb1LV2 - روايات عربية
الكاتب:
admin
الحالة:
مستمرة
سنة الإصدار:
2026
اللغة:
العربية
مشاهدة:
4.0k
اترك تعليقاً