الملف الأسود: المطر لا يمحو الأثر عمل حصري 8.7

الملف الأسود: المطر لا يمحو الأثر

4.0k مشاهدة 1 ساعة و 41 دقيقة
ابدأ القراءة

نبذه عن الرواية




جاري التحميل…

المطر لا يمحو الأثر


في إحدى ليالي الشتاء الباردة في مدينة سطيف، يُعثر على جثة رجل أعمال مشهور داخل قصره المغلق من الداخل، دون أي أثر للمجرم.
تُسند القضية إلى المحقق آدم بن سالم، الذي يكتشف أن الجريمة ليست سوى الحلقة الأولى في سلسلة جرائم متشابكة تربط بين شخصيات نافذة وأسرار دُفنت منذ عشرين عامًا.
كل دليل يقوده إلى لغز أكبر، وكل مشتبه به يخفي وجهًا آخر.
لكن أكثر ما يثير الرعب هو أن القاتل يبدو وكأنه يعرف خطوات آدم قبل أن يتخذها.

تحميل الفصول…


المؤلف

سطيف — الساعة 02:17 بعد منتصف الليلكان المطر يهطل كمن يريد أن يغسل المدينة من خطاياها.
توقفت سيارة الشرطة ذو اللون الأبيض والأزرق أمام فيلا من طابقين، محاطة بحديقة كبيرة أكل العشب فيها كل شيء. كانت الفيلا تقع على تلة مشرفة على الأحياء الجديدة في سطيف، بعيدة قليلاً عن ضجيج وسط المدينة، لكنها لم تكن معزولة تماماً. كانت الجدران الخارجية مرتفعة، والسور الحديدي يصدأ في بعض زواياه.
ترجل آدم  من السيارة، وشعر فوراً برذاذ المطر البارد يلدغ وجهه. رفع ياقة معطفه الأسود، وتوقف لحظة يتأمل المشهد: الأضواء الزرقاء والحمراء لسيارات الشرطة المنعكسة على الأرض المبللة، الجيران الذين تجمعوا خلف الشريط الأمني وهم يهمسون بنظرات مذعورة، ذلك الصمت الثقيل الذي يخيم على المكان رغم صوت المطر.
جريمة في هذا الحي؟ فكر آدم. هذا غير معتاد.
هنا يسكن التجار والمدراء والموظفون الكبار. ليس حياً فاخراً بالمعنى الذي يفهمه أحياء الجزائر العاصمة، لكنه حي راكد، هادئ، لا يحدث فيه شيء، حتى الليلة.
"سيدي المحقق" .
اقترب منه عون شاب يرتدي مطرية زرقاء، وجهه متعب وشفاهه مرتعشة من البرد. لم يكن خائفاً، بل مرتبكاً. آدم يعرف هذا التعبير جيداً: إنه تعبير رجل رأى شيئاً لا يفهمه. "أين الجثة؟" 
 "في المكتب، في الطابق الأرضي. تفضل معي." 
وضع آدم قفازيه الأسودين، واتبع العون عبر بوابة الفيلا التي كانت مفتوحة على مصراعيها. سارا في ممر مرصوف بين حديقة مهملة، ثم صعدا درجتين حجريتين إلى باب خشبي ثقيل، كان أيضاً مفتوحاً.
دخل الدهليز.
كانت الفيلا من الداخل كما توقع آدم: أثاث فاخر لكنه قديم بعض الشيء، جدران بلون بيج فاتح تعلوها ساعات حائطية ولوحات زيتية لطبيعة صامتة، رائحة خفيفة من دخان السجائر ممزوجة بعطر خشبي رخيص. بيت رجل اعتاد على العيش وحده، أو اعتاد على أن لا أحد يهتم بتفاصيله.
شق طريقه إلى المكتب.
الباب كان نصف مغلق. دفعه بإصبعين، ثم توقف على العتبة.
الغرفة متوسطة الحجم. مكتب كبير من خشب البلوط في الوسط، عليه كومة من الأوراق وكأس ماء نصف ممتلئ. حاسوب محمول مغلق. خزانة كتب زجاجية على اليسار. ستائر ثقيلة مسدلة على النافذة التي تطل على الحديقة الخلفية.
وفي الخلف، خلف المكتب، كان نادر قاسمي جالساً على كرسيه.
أو ما تبقى منه.
كانت الطعنة واحدة، عميقة، في الصدر من الجهة اليسرى. القميص الأبيض تحول إلى أحمر قاتم. يدا الرجل مستلقيان على ذراعي الكرسي، ورأسه مائل إلى الخلف قليلاً، عيناه مفتوحتان تحدقان في السقف وكأنه لا يزال يحاول فهم ما حدث له.
لكن آدم لم ينظر إلى الجثة أولاً، نظر إلى الأرضية، جافة. تماماً.
نظر إلى الأحذية التي بجانب الباب: حذاء جلدي أسود، وحذاء رياضي قديم.
نظر إلى النوافذ: جميعها مغلقة من الداخل. الأقفال سليمة. ستارة واحدة كانت منسدلة بشكل غير متساوٍ، لكن لا دليل على أن أحداً عبث بها.
"الأبواب؟"  سأل آدم دون أن يرفع عينيه عن الغرفة.
 "كلها مقفولة من الداخل، سيدي. باستثناء الباب الرئيسي، الذي كسرناه لدخولنا".
آدم أغمض عينيه للحظة، ودع عقله يعمل.
غرفة مغلقة. جثة داخل غرفة مغلقة. مطر غزير في الخارج. لا أثر للمجرم.
إذن... إما أن القاتل اختفى في الهواء... أو أن الجميع ينظرون إلى المكان الخطأ.
فتح عينيه. "أين خدم الفيلا؟ أين عائلته؟" 
العون ابتلع ريقه. "قاسمي يعيش وحده، سيدي. مطلق منذ خمس سنوات. له ابن يدرس في فرنسا. لا خادم، لا حارس. الجيران يقولون إنه كان شخصاً هادئاً، يخرج صباحاً ويعود مساءً".
"ومن اتصل بالشرطة؟" 
"أحد الجيران. قال إنه سمع صوتاً عالياً حوالي منتصف الليل، مثل اصطدام، ثم لا شيء. بعد ساعة، لاحظ أن أنوار الفيلا لا تزال مضاءة، وهذا غير معتاد. اتصل على الرقم الأخضر".
آدم أدار وجهه نحو العون الشاب.
"وما رأيك أنت؟ ماذا يحدث هنا برأيك؟" 
الشاب تلعثم. "أنا... لا أعرف، سيدي. كل شيء مقلق. القاتل دخل وخرج وكأنه شبح. لا نافذة مكسورة، لا باب مفتوح... وهل كان يعرف أن قاسمي سيكون وحده؟، أو قد يكون من معارفه".
آدم لم يجب، خرج من المكتب، وبدأ يجول في الفيلا بمفرده.
قاعة الجلوس: أريكة جلدية، تلفاز كبير، طاولة قهوة عليها مجلة قديمة وفنجان قهوة جاف منذ أيام.
المطبخ: فوضوي. صحون في المجلى، قليل من الطعام في الثلاجة. علبة حليب منتهية الصلاحية منذ أسبوع. سكين في درج. لا، ليس سكين الطعنة.
الطابق العلوي: غرفة نوم رئيسية، سرير غير مرتب، ملابس مبعثرة. حمام صغير. غرفة نوم أخرى خالية.
عاد إلى الطابق الأرضي، وقف في الدهليز للحظة، يتنفس ببطء. ثم نظر إلى السقف.
لا فتحة، لا شيء، غرفة مغلقة تماماً.
عاد إلى المكتب. وقف عند الباب، ثم دخل ببطء. مشى حول المكتب دون أن يلمس أي شيء. توقف خلف جثة نادر قاسمي. نظر إلى الكرسي. نظر إلى الحائط خلفه.
هناك. فوق الرف الخشبي الصغير، كانت هناك صورة.
صورة قديمة، إطارها من الخشب المصقول. لأربعة رجال. يقفون أمام واجهة مبنى قديم، يبتسمون. تواريخهم: أواخر التسعينيات.
نظر آدم عن كثب.
أحدهم كان نادر قاسمي، أصغر سناً، بلا شيب، نظرة ثقة في عينيه.
وآخر بجانبه...
توقف آدم، تراجع خطوة إلى الوراء، وكاد أن يصطدم بطاولة صغيرة بجانب الباب.
أعرف هذا الوجه، لم يكن متأكداً. ليس بعد. لكن غريزته، تلك الغريزة التي أنقذته في أكثر من عشرين قضية، كانت تصرخ بهدوء: انتبه. هذه القضية ليست كما تبدو.
سمع خطوات خلفه.
 "آدم؟ أنت هنا؟" 
التفت. ليلى تقف عند باب المكتب، ترتدي معطفاً رمادياً طويلاً، وشعرها الأسود مبلل قليلاً من المطر. عيناها الخضراوان تلمعان بذلك الفضول العلمي الذي يميزها. تحمل حقيبتها الطبية السوداء في يد، ومظلة مقلوبة تَقطر ماء في اليد الأخرى.
"تأخرتِ" ، قال آدم بصوته الهادئ المعتاد.
"الطرقات غارقة. وكأن سطيف لم تر مطراً من قبل. أين الجثة؟" 
أشار برأسه إلى خلف المكتب.
دخلت ليلى، ووضعت حقيبتها على الأرض، ثم توقفت. نظرت إلى الجثة بعيون الطبيبة أولاً: تتفحص الوضعية، الزاوية، لون الجلد، حالة الملابس.
ثم نظرت إلى آدم بعيون الشريكة.
 "قُتل منذ حوالي ساعتين" ، قالت بثقة. "الطعنة واحدة، عميقة، يبدو أن السلاح كان متوسط الحجم. سأعطيك التفاصيل بعد التشريح. لكن... ما هذه النظرة على وجهك؟ ماذا وجدت؟" 
آدم أدار ظهره للجثة، ونظر إلى النافذة المغلقة بإحكام.
"وجدتُ غرفة لا يمكن الدخول إليها ولا الخروج منها".
 "غرفة مغلقة؟"  ابتسمت ليلى ابتسامة خفيفة. " ستحب هذا، أليس كذلك؟ أنت وجهنم العبقرية".
لم يبتسم آدم. " ليس هذا ما يقلقني".
" وماذا يقلقك إذن؟" 
نظر إلى الصورة القديمة فوق الرف. إلى وجوه الرجال الأربعة. إلى نادر قاسمي شاباً. إلى الوجه الآخر الذي يعرفه.
 "هذه الجريمة" ، قال بصوت هادئ جداً، "ليست الأولى. وأنا متأكد أنها لن تكون الأخيرة".
صمت المطر للحظة، وكأن الطبيعة نفسها تريد أن تسمع ما سيقوله بعد ذلك، ثم عاد المطر يهطل، أشد من قبل.
               


تفاصيل الرواية

التصنيف: حجب - روايات عربية
الكاتب: admin
الحالة: مستمرة
سنة الإصدار: 2026
اللغة: العربية
مشاهدة: 4.0k

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *