حبيبي المتحول | خيط رفيع بين الوحش والإنسان عمل حصري 9.9

حبيبي المتحول | خيط رفيع بين الوحش والإنسان

4.0k مشاهدة 1 ساعة و 41 دقيقة
ابدأ القراءة

نبذه عن الرواية




جاري التحميل…

خيط رفيع بين الوحش والإنسان


………

تحميل الفصول…


المؤلف

انسحب الغبار ببطء من مكان الحادث. استغلت فريدة حالة الذهول والتراجع التي أصابت القطيع بسبب صرخة آدم، وسحبته من يده بسرعة متجهة نحو مدخل نفق فرعي يؤدي إلى محطة مترو أنفاق قديمة ومغلقة. كانت المحطة مظلمة، لا يضيئها سوى خيوط ضوء واهية تأتي من السلالم الخارجية.
جلس الاثنان في زاوية معتمة خلف غرف تحصيل التذاكر. كانت فريدة تلهث، وجسدها يرتجف بالكامل ليس فقط من الخوف، بل من فرط الإرهاق. كدمة كتفها بدأت تتورم، والخربوش الصغير على جبهتها بدأ ينزف قطرات دافئة من الدماء الزكية بسبب المجهود والركض.
في الجانب المقابل، كان آدم يجلس بشكل غريب. لم يكن هادئاً كالعادة. كان جسده يتنفّض بضربات خفيفة متتالية، ورأسه يتحرك يميناً ويساراً بعنف غير مفهوم. النظارة ضاعت، وغطاء الرأس سقط، ليتضح أن الأوردة المحيطة بعينيه الرماديتين بدأت تتلون بلون داكن، والجرح الذي في كتفه كان يفرز كمية أكبر من ذلك السائل الرمادي. الفيروس داخله كان يهاجم خلاياه المتبقية بعنف، يحاول سحق ما تبقى من إنسانيته بعد المجهود الخارق الذي بذله في صلاح سالم.
"آدم..." نادته فريدة بصوت خافت وهي تحاول الاقتراب منه، "أنت كويس؟ الجرح شكله تعبك أوي.."
بمجرد أن نطقت باسمه، وتزامناً مع حركتها، تحركت جزيئات الهواء في المكان المغلق، لتصل رائحة دمائها الدافئة والنقية مباشرة إلى حواسه.
تصلب جسد آدم تماماً. التفت نحوها ببطء مرعب.


لم تكن نظرة آدم في تلك اللحظة هي النظرة النبيلة الحامية التي اعتادت عليها فريدة. كانت عيناه قد تحولتا إلى بياض جاف، يفيض بغريزة افتراس بدائية ومرعبة. أصدر حشرجة حادة من حنجرته، حشرجة جمدت الدماء في عروق فريدة.
قبل أن تستوعب ما يحدث، اندفع آدم نحوها بسرعة رهيبة.
سقطت فريدة على الأرض بقوة، ووجدته يربض فوقها بالكامل، كافساً جسدها بوزنه الثقيل. أمسك بمعصميها بملقط من حديد وثبتهما إلى الأرض بقوة أحدثت ألماً حاداً في كتفها المصاب، فصرخت متأوهة. لكن صرختها لم توقظه؛ بل زادت من هاجس الجوع والفيروس داخله.
انحنى برأسه نحو رقبتها مباشرة. كانت أنفاسه الباردة تلامس جلدها، وأسنانه تصطك ببعضها البعض في صوت مرعب، متحفزاً لعضها وإنهاء حياتها لتحويلها إلى واحدة منهم.
"آدم! لأ! أرجوك!" صرخت فريدة، ودموعها انطلقت كالشلال على وجنتيها. حاولت المقاومة لكن قوته الجسدية كانت تفوق قوة عشرة رجال.
كانت الطاسة التيفال ملقاة على بعد سنتيمترات من يدها الحرة، كان بإمكانها أن تحاول ضربه، أن تحاول إنقاذ نفسها بقتله أو إبعاده. لكنها في تلك اللحظة بالذات، وسط الرعب الخالص، نظرت إلى وجهه المشوه بالمرض والغضب، وشعرت بحزن عميق يفوق خوفها. تذكرت كيف تلقى الضربات بدلاً منها، كيف كسر الزجاج ليأتي لها بسيارة، كيف وقف فوق السقف يزأر ليحميها.
استسلمت فريدة، وأرخت جسدها، ونظرت في عينيه البيضاوين مباشرة بدموع تفيض بالرجاء والحب الصادق، وقالت بصوت متهدج، مخنوق بالبكاء: "آدم.. ده أنا.. أنا فريدة.. أنت قولت لي إحنا فريق.. مش هتموتني يا آدم.. أنا عارفاك."


توقفت أسنان آدم على بعد مليمتر واحد من بشرة رقبتها. مليمتر واحد كان يفصلها عن الموت.
سقطت دمعة ساخنة من عين فريدة لتستقر مباشرة على وجنة آدم الشاحبة. تلك القطرة الساخنة، مع صوت اسمها الذي نطقته بنبرة تفيض بالثقة والضعف في آن واحد، اخترقت جدار الفيروس المظلم لتصل إلى أعماق روحه السجينة.
تصلب آدم في مكانه. بدأت حدقتا عينيه تتسعان وتضيقان بعنف، كأن هناك معركة طاحنة تدور داخل عقله بين "الوحش" الذي يريد اللحم، و"الإنسان" الذي يريد حماية هذه الفتاة.
بدأ جسده يرتجف بشكل هستيري. أصدر صوتاً يشبه البكاء المكتوم، صوت ألم بشري خالص. ضغط بقبضتيه على الأرض بجانب رأسها لدرجة أن بلاط المحطة تصدع تحت يديه. كان يصارع نفسه، يصارع الغريزة التي تفرضها جيناته المتحولة.
وفجأة، وبصرخة مكتومة مليئة بالوجع والندم، أفلت معصميها، واندفع للخلف بقوة ليصطدم بالجدار الإسمنتي للمحطة.
أخذ يضرب رأسه بالجدار بعنف لكي يشتت ذلك الجوع اللعين، ويجبر الفيروس على الخضوع. ظل يضرب ويضرب حتى سقط على ركبتيه في أبعد زاوية مظلمة، مديراً ظهره لفريدة، منكمشاً على نفسه كطفل معاقب، وهو يصدر آهات خافتة تنبض بالخزي والانكسار. لقد كان خائفاً من نفسه.. خائفاً من أنه كاد أن يقتل الشيء الوحيد الذي يعطيه سبباً للبقاء.


ظلت فريدة مستلقية على الأرض لثوانٍ، وتيرت أنفاسها تهدأ تدريجياً. نظرت إلى الزاوية المظلمة حيث يقبع آدم، يرتجف ويبكي بطريقته الخاصة، يداري وجهه عنها لأنه يشعر بالخجل من وحشيته.
لملمت فريدة شتات نفسها، وقامت ببطء. لم تهرب خارج المحطة، ولم تمسك بسلاحها. بل خطت خطوات وئيدة ونحو الزاوية المظلمة.
جلست على ركبتيها بجواره. تردد آدم، وحاول التراجع والابتعاد أكثر ملوحاً بيده كأنه يطلب منها أن تبتعد لحمايتها، لكنها لم تتراجع. مدت يدها الدافئة ببطء شديد، ووضعتها فوق كتفه المصاب، ثم سحبت جسده برفق لتدير وجهه نحوها.
كانت عيناه قد عادتا إلى لونهما الرمادي الطبيعي، لكنهما كانتا مليئتين بـانكسار وحزن لم تره فريدة في عيون بشر من قبل.
ابتسمت فريدة وسط دموعها، ومسحت برفق خيط الدم الصغير الذي نزل من جبهته أثر ضرب الجدار. "أنا مش خايفة منك يا آدم.. أنا شوفتك وأنت بتصنع المستحيل عشان متأذينيش. أنت غلبت الفيروس عشان خاطري.. وده بيخليني أحس بالأمان معاك أكتر من أي بني آدم تاني في الدنيا دي."
أمال آدم رأسه ببطء، ووضع جبهته الباردة على كتف فريدة السليم، في سكون تام، مستسلماً لمشاعر الراحة التي تغلغلت في جسده الميت، مدركاً أن هذه الفتاة لم تعد مجرد "ناجية" يحميها، بل أصبحت روحه التي تمسكه بالحياة وتمنعه من السقوط في الهاوية.
               


تفاصيل الرواية

التصنيف: Rx7GJoMUGaVG3rZDWszui0NVkRm2 - روايات عربية
الكاتب: admin
الحالة: مستمرة
سنة الإصدار: 2026
اللغة: العربية
مشاهدة: 4.0k

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *