لم أغادر الحي تلك الليلة. بقيت جالساً داخل السيارة أراقب منزل عائلتي من بعيد، بينما كانت عقارب الساعة تتحرك ببطء وكأنها تسخر مني. كنت أرى الضوء الخافت خلف إحدى النوافذ وأتخيل أمي جالسة هناك، عاجزة عن النوم بعد دفن ابنها. شعرت برغبة قوية في النزول والركض نحو الباب، في أن أخبرها أنني ما زلت حياً، أن كل ما حدث مجرد كذبة كبيرة، لكنني كنت أعرف أن الحقيقة أخطر من الكذبة أحياناً. لو ظهرت الآن، فلن أكون أنا وحدي في خطر، بل كل شخص أحبه.أسندت رأسي إلى المقعد وأغمضت عيني. حاولت أن أطرد الأفكار من رأسي، لكن الذكريات كانت أقوى مني. كلما حاولت الهروب منها عادت إليّ بوضوح أكبر. عادت بي إلى خمس سنوات مضت، إلى الليلة التي وقفت فيها على الشاطئ وأنا أحمل حقيبة صغيرة وحلماً أكبر من عمري.
أتذكر أن البحر كان هادئاً في البداية. كان الظلام يلف المكان، ولم نكن نرى سوى أضواء بعيدة تتراقص فوق الماء. كنا عشرات الشباب، لكل واحد منا قصة مختلفة، لكن الهدف كان واحداً. كنا نريد الوصول إلى إسبانيا مهما كان الثمن. بعضهم كان يتحدث بحماس عن الأموال التي سيجنيها، وآخرون كانوا يفكرون في العائلات التي تركوها خلفهم. أما أنا فكنت صامتاً. لم أكن أفكر إلا في شيء واحد؛ أنني لا أريد أن أعود إلى حياتي القديمة.
عندما وصل المهربون، بدأ الجميع يتحرك بسرعة. كان الخوف واضحاً على الوجوه، لكن أحداً لم يتراجع. صعدنا إلى القارب المطاطي بصعوبة، وكان عددنا أكبر بكثير مما يستطيع تحمله. جلست بين الغرباء وأنا أشعر بأنني أغادر كل شيء عرفته في حياتي. لم ألتفت إلى الخلف كثيراً، لأنني كنت أخشى أن أرى أضواء المغرب فأفقد شجاعتي في آخر لحظة.
تحرك القارب ببطء في البداية، ثم ابتعدنا عن الساحل شيئاً فشيئاً. لم يكن هناك سوى صوت المحرك وأصوات الأمواج. مرت ساعة، ثم ساعتان، وبدأ البرد يتسلل إلى أجسادنا. لم يعد أحد يتحدث كما في البداية. اختفى الحماس وحل مكانه الصمت والخوف. كان كل شخص غارقاً في أفكاره، وكأننا جميعاً بدأنا ندرك حجم المغامرة التي دخلناها.
في منتصف الليل تقريباً تغير كل شيء. ارتفعت الأمواج فجأة وأصبح القارب يتمايل بعنف. بدأت الصرخات ترتفع من كل جانب. امرأة كانت تبكي، ورجل يردد الشهادة بصوت مرتجف، وطفل صغير يتشبث بوالدته وهو يرتجف من البرد والخوف. كنت أحاول التماسك، لكن الحقيقة أن الرعب كان ينهشني من الداخل مثل الجميع.
ثم جاءت موجة أقوى من سابقاتها. ارتفع القارب للحظة قبل أن يهبط بعنف. سقط أحد الشبان في الماء. ما زلت أتذكر صرخته حتى اليوم. مد يديه محاولاً التشبث بأي شيء، لكن الظلام ابتلعه بسرعة. لم يستطع أحد إنقاذه. لم يتوقف القارب. لم يتوقف البحر. اختفى الشاب وكأنه لم يكن موجوداً أصلاً.
في تلك اللحظة فهمت شيئاً لن أنساه ما حييت. البحر لا يهتم بأحلامنا. لا يهتم بفقرنا أو بآلامنا أو بالأسباب التي دفعتنا إلى المخاطرة. بالنسبة إليه نحن مجرد أجساد صغيرة فوق سطحه الواسع. إما أن يسمح لك بالمرور... أو يأخذك معه إلى الأعماق.
مرت الساعات التالية كأنها سنوات. كنت متجمداً من البرد ومتعباً إلى حد أنني لم أعد أشعر بيديّ. ومع ذلك تشبثت بالأمل. كنت أقول لنفسي إن كل هذا العذاب سينتهي عندما أصل إلى إسبانيا. لم أكن أعلم أن العذاب الحقيقي لم يبدأ بعد.
فتحت عيني وعدت إلى الحاضر. كانت السماء فوق الدار البيضاء قد بدأت تكتسب لون الفجر الباهت. بقيت أحدق من خلال زجاج السيارة وأنا أفكر في ذلك الشاب الذي غادر المغرب قبل خمس سنوات. أحياناً أشعر أنه مات في تلك الرحلة، وأن الشخص الذي عاد اليوم ليس هو نفسه أبداً.
مددت يدي إلى الهاتف لأتفقد الوقت، لكن شيئاً جذب انتباهي في الجهة المقابلة من الشارع. كانت هناك سيارة سوداء متوقفة قرب الرصيف. لم أرها عندما وصلت. بقيت أحدق فيها لثوانٍ طويلة، وشعور غريب بدأ يتسلل إلى داخلي.
ثم تحرك باب السيارة ببطء.
ونزل شخص منها.
شخص جعلني أستقيم في مقعدي فوراً.
لأنني كنت أعرفه جيداً.
وأعرف أيضاً أن ظهوره هنا لا يمكن أن يعني شيئاً جيداً.
نبذه عن الرواية
جاري التحميل…
الفصل الثالث: البحر لا يرحم
………
تفاصيل الرواية
التصنيف:
P3MU5SGlLveZvhBGIFktGY83dKd2 - روايات عربية
الكاتب:
admin
الحالة:
مستمرة
سنة الإصدار:
2026
اللغة:
العربية
مشاهدة:
4.0k
اترك تعليقاً