آل المِنشَاوي الفصل الرابع عمل حصري 8.3

آل المِنشَاوي الفصل الرابع

4.0k مشاهدة 1 ساعة و 41 دقيقة
ابدأ القراءة

نبذه عن الرواية




جاري التحميل…

الفصل الرابع.


الأحداث تتوالا في المستشفى اين يرقد عامر، و لطفي يتدخل ويجعل من ياسر المطلوب رقم واحد في الكفر…

تحميل الفصول…


المؤلف

كان الممر الطويل في الطابق الثالث بمستشفى القصر يفوح برائحة الأدوية والمطهرات المركزية، وهي رائحة لا تخفي رائحة الموت، بل تؤكدها. الإضاءة هنا ليست كإضائة الريف؛ هنا مصابيح النيون البيضاء الطويلة تصدر طنينًا مغناطيسيًا مستمرًا، يثقب الرؤوس ويجعل الوقت يبدو واقفًا، ثقيلًا، لا يتحرك. الجدران كانت مغطاة ببلاط "القيشاني" الأخضر الباهت الذي تقشرت أطرافه بفعل الرطوبة الساحلية، لتبدو كأنها جروح قديمة في جسد البناء.

خلف الباب الزجاجي السميك ذي الإطار المعدني، والذي كُتبت عليه عبارة "العناية المركزة - ممنوع الدخول"، كان عامر يرقص في ذلك البرزخ الضيق بين الدنيا والآخرة. جسده الضخم، الذي كان يملأ الحقول حركة ونشاطًا، بدا ضئيلًا فوق الفراش الأبيض الضيق. وجهه شاحب كحجر جيري، واللحية الخفيفة التي نمت في الساعات الأخيرة زادت من قتامة ملامحه.


كان عامر موصولاً بالكون عبر خراطيم وأسلاك بلاستيكية متداخلة؛ أنبوب بلاستيكي عريض يمر عبر فمه ليضخ الهواء إلى رئتيه المنهكتين بحركة ميكانيكية رتيبة يصدر عنها صوت "فحيح" منتظم، وشاشة الجهاز الإلكتروني بجانبه ترسم خطوطًا خضراء متعرجة، تنبض ببطئ، وتصدر "رنينًا" حادًا مع كل دقة قلب تقاوم السقوط في الخط المستقيم الفاصل. صدره، الذي استقر فيه مقذوف الخرطوش، كان مغطى بطبقات كثيفة من الشاش الأبيض المعقم، والتي بدأت تظهر في منتصفها بقعة دموية صغيرة، داكنة، تتسع ببطئ شديد كأنها زهرة سوداء تنمو في الطين.


خلف الزجاج، في الممر الخارجي، كان المشهد يبدو كأن كفر العار قد نقل جزءًا من طينه وناسه إلى قلب العاصمة. تجمع أعمام عامر وأبناء عمومته من عائلة المنشاوي. كانوا يرتدون جلابيبهم الصوفية الداكنة، والعمائم البيضاء التي بدت غريبة ومتسخة في هذا المحيط الأسمنتي. كانوا يجلسون على الأرضية الرخامية الباردة، متكئين بظهورهم إلى الجدران، والوجوه واجمة، والعيون حمراء تملأها قسوة الهزيمة والعجز. الحاج رضوان لم يحضر؛ جسده لم يحتمل مشقة السفر بعد جلطة خفيفة ألزمته الفراش في المنزل الكبير، ليبقى الأعمام هم واجهة العائلة المكسورة.


من بين الجموع، كانت زهرة، ابنة عمه، تقف ملتصقة باللوح الزجاجي. زهرة، الفتاة الريفية ذات العشرين ربيعًا، بعينيها الواسعتين السوداوين اللتين لطالما خبأتا خلف رموشهما الطويلة حكاية حب صامت، نبت في السر ومن طرف واحد منذ أن كانت طفلة تراه يعود من الأرض حاملاً لها ثمار التوت البري. كانت ترتدي عبائة سوداء فضفاضة، وطرحة قطنية تغطي رأسها بالكامل، تاركة فقط وجهها الشاحب الذي تيبست عليه الدموع.


كانت يداها تضغطان على الزجاج بقوة حتى ابيضت أطراف أصابعها. كانت تنظر إلى أنبوب التنفس الصناعي في فم عامر، وتتمنى لو أنها تملك أن تمنحه من أنفاسها ليعيش. وفجأة، لم تحتمل صمت الأعمام ولا الطنين القاتل للممرات. التفتت نحوهم، والشرر يتطاير من عينيها، ونبرة صوتها خرجت حادة، ممتلئة بالانتفاضة التي هزت وقار الصمت الريفي:


"تجلسون هنا كالنساء في المآتم؟" صاحت زهرة، وصوتها يتردد في الممر الخشبي ليجعل الممرضات يلتفتن بنظرات حذرة. "عامر يمووووت! عامر ضربه كلاب العمدة لأنه كان يحمي حلالكم وأرضكم، وأنتم تجلسون لتعدوا الأيام؟ أين رجولتكم؟ أين سلاح المنشاوي الذي كنتم تتباكون به في المجالس؟ إن مات عامر، فلن يتبقَ في هذه العائلة رجل واحد يستحق أن يحمل اسمه!"


وقف عمها الأكبر، الحاج خليل، متكئاً على عصاه، وعلامات الغضب والمهانة ترتسم على وجهه العجوز: "اصمتي يا بنت! نحن في مستشفى حكومي وفي العاصمة، والشرطة تبحث عن ياسر، والعمدة زور المحاضر. يدنا مغلولة والقانون ضدنا."


"ملعون هذا القانون الذي يجعل القاتل سيداً والضحية مجرماً!" صرخت زهرة وهي تلتفت مجدداً نحو الزجاج، واضعة جبهتها على السطح البارد، وبدأت تبكي بنشيج مرير يهز كتفيها الضئيلين، متمتمة بكلمات لم يسمعها غير قلبها:


"ارجع يا عامر... ارجع يا سيد الناس. الأرض تشققت بعدك، والكفر أصبح مظلماً. لا تتركني وحدي في وسط هؤلاء الذئاب."


في زاوية أخرى من العاصمة، حيث لا توجد جدران قيشاني بل جدران من الطوب الأحمر العاري المغطى بطبقات من دهن الحيوانات والدم الجاف، كان محسن يعيش فصله الخاص من الجحيم.


كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة مساءً. الشوارع المحيطة بمنطقة "المدبح" القديم كانت غارقة في الظلام، والإنارة تأتي فقط من المصابيح الصفراء العارية المعلقة فوق خطافات اللحوم في دكاكين الجزارة. الرائحة هنا كانت خانقة؛ مزيج من دماء الذبائح الطازجة، وروث الماشية، وعظام الحيوانات التي تُحرق في ورش الغراء المجاورة.


كان محسن يفترش زاوية من الرصيف المترب، متوسداً ذراعه. معطفه الفاخر الذي بدأ به رحلته أصبح ممزقاً عند الكوعين، وملطخاً بسواد الشارع وطين المجاري. حذاؤه الجلدي ضاع أحدهما أثناء ركضه خلف السارق، ليحل محله فردة مداس بلاستيكية عثر عليها في القمامة. وجهه النرجسي، الذي كان لا ينظر إلى الناس إلا بالتعالي، كان الآن مغطى بطبقة من الغبار، وعيناه غائرتان يملأهما انكسار حيوان جريح طُرد من قطيعه.


انقطعت به السبل تماماً. جاع حتى كاد يأكل من بقايا الخبز الملقى تحت أقدام الباعة. لم يعد يفكر في الشركات ولا في مجد المدينة؛ كان كل طموحه أن يجد سقفاً يحميه من برودة الليل التي تنهش عظامة الضئيلة.


مرت خطى ثقيلة بجانبه، فتوقفت. كان المعلم عبدو الجزار، رجل ضخم الجثة، يرتدي صديرياً من الجلد السميك فوق جلباب متسخ بالدماء، ويمسك بيده "ساطوراً" ضخماً يستخدمه لتكسير العظام. نظر المعلم عبدو إلى محسن، وتأمل بقايا القماش الفاخر في معطفه، وعلم أن هذا الشاب ليس ابن شوارع عادي، بل هو "ابن ناس" رمت به الأيام في مستنقع المدينة.


"ما بك يا بني؟" سأل المعلم عبدو بصوت جهوري خشن، وهو يبصق قطعة من سواك كان يمضغه. "ما الذي رماك في هذه الشوارع بهذا المنظر؟"


رفع محسن رأسه ببطئ. تآكل كبرياؤه، لكن عيناه ظلتا تحملان تلك النظرة الباردة: "سُرقت حقيبتي.. وضاع مالي. أنا من عائلة كبيرة في الريف، لكنني لا أملك ثمن لقمة العيش الآن."


هز المعلم عبدو رأسه بأسى: "المدينة تبلع الغشيم يا ولدي. وأنا لا أحب أن أرى رجلاً ينام على الرصيف والكلاب تحوم حوله. اسمع.. أنا لدي (زريبة) ملحقة بالمدبح، نضع فيها الماشية قبل الذبح. في نهايتها غرفة صغيرة مسقوفة بالقش، كنا نضع فيها العلف. إن كنت تقبل.. يمكنك النوم فيها حتى تدبر أمرك، ومقابل ذلك تساعد الصبيان صباحاً في غسل أرضية المذبح من الدم. ما رأيك؟"


تردد محسن لثوانٍ. النوم في زريبة الماشية؟ هو.. محسن المنشاوي الذي كان يرى كفر العار كله أقل من مقامه، ينام وسط الروث والبهائم؟ ولكن، صرير بطنه الخاوية وبرودة الرصيف كانا أقوى من نرجسيته.


"قبلت يا معلم،" قال محسن بصوت منخفض، وهو يقف على قدميه المرتعشتين.


قاده المعلم عبدو إلى الزريبة. كان المكان مظلماً، تفوح منه رائحة روث البقر والتبن الرطب. أصوات مضغ الماشية وحركتها في الظلام كانت تصنع جلبة مرعبة. في نهاية الزريبة، كان هناك مربع صغير مفروش بالقش الجاف. ارتمى محسن فوق القش دون أن يخلع معطفه المتسخ.


أغمض عينيه، بينما كان صوت بقرة قريبة تصدر خواراً منخفضاً. شعر بذلّ لم يذق مثله قط. تمتم وهو يضغط بقبضته على القش:


"سأعود... قسماً بالظلام الذي أنا فيه سأعود. وسأجعل كل من رآني في هذا الموقف يدفع الثمن.. أولهم العمدة، وآخرهم هذا الجزار اللعين."


في كفر العار، كانت خيوط الدخان الأسود ما زالت تتصاعد من الهيكل المتفحم لبيت عواطف. جدران البيت التي كانت زرقاء بالأمس أصبحت سوداء، متقشرة، والباب الخشبي السميك تحول إلى رماد متناثر على الأرضية الترابية للزقاق.


تجمع أهل الكفر حول الحريق يتفرجون بصمت وحذر. ومن وسط الرماد، كانت عواطف تجلس على صندوق خشبي مكسور، وجهها مغطى بالسواد، وشعرها الأحمر مسترسل بإهمال ومليء بالرماد. كانت تبكي بنحيب غاضب، ليس حزناً على الفتيات، بل حزناً على مملكتا التي ضاعت وثروتها التي التهمتها النيران.


بجوارها، كانت البنات يرتجفن من البرد والخوف، يلتففن بملائات سرير قطنية استعرنها من الجيران. لقد خرجن جميعاً أحياء من الحريق بفعل العناية الإلهية والجدران الطينية التي قاومت النيران لفترة كافية لتسمح لهن بالهروب عبر النافذة الخلفية للمطبخ.


وفجأة، شق الجموع لطفي، ابن العمدة. كان يرتدي جلباباً على عجل، ووجهه يحمل علامات حروق طفيفة عند أطراف جبهته، وعيناه تشعان شراً مستطيراً. لم يكن يهمه احتراق الوكر، بل كان يهمه أن هيبته كابن للحاكم كُسرت، وأن "حشرة" مثل ياسر المنشاوي تجرأ على إشعال النار في مكان يتواجد فيه.


وقف لطفي أمام عواطف، وضرب بعصاه على الأرض بعنف: "اين ذهب الكلب؟ تحدثي يا عواطف! أين اختفى ياسر؟"


وقفت عواطف وهي تصرخ وتلطم خديها: "هرب في الظلام يا سيادة الباشا! سكب الجاز كالمجانين وأشعل النار فينا ونحن نيام. هرب ولم يترك ورائه سوى الخراب. ضاع حلالي يا لطفي بيه.. ضاع بيتي!"


التفت لطفي نحو جموع الفلاحين والخفر الذين وقفوا يراقبون المشهد. رفع صوته عالياً حتى وصل إلى أطراف الأزقة المجاورة، وقال بنبرة مليئة بالوعيد والدم:


"اسمعوا جميعاً! هذا الكفر من أوله لآخره ليس فيه مكان لياسر ابن رضوان. ومن يخبئه كمن يخبئ الشيطان في بيته. أنا واضع جائزة مالية خمسة آلاف جنيه—خمسة آلاف جنيه كاش—لمن يأتيني بياسر حياً أو ميتاً. ومن يبلغ عن مكانه له الأرض الغربية يزرعها لحسابه لعامين كاملين."


سرت همهمة واسعة بين الناس. خمسة آلاف جنيه في ذلك الوقت كانت ثروة تغير مسار حياة أي فلاح، وتجعله يبيع شقيقه وليس فقط ابن عائلته. تحول ياسر في لحظة واحدة من شاب ضائع ومستهتر إلى طريد، يحمل فوق رأسه جائزة دم تجعل كل عين في الكفر تراقبه وتنتظر سقوطه لتقتنص الجائزة.


أما ياسر، فقد كان في تلك الساعات يركض في جوف الليل كذئب بري طاردته الكلاب. لم يكن يعلم أين يذهب. اختفى عن العيون تماماً؛ ترك الطرق الزراعية الرئيسية التي يعلم أن خفر العمدة يمشطونها ببنادقهم، وسلك "المصارف" الضيقة والمجاري المائية الجافة وسط الحقول الكثيفة.


كان جلبابه ممزقاً بفعل أشواك نبات العليق، وقدميه الحافيتين تنزفان دماً من كثرة الارتطام بالحجارة وجذور القصب الحادة. عقله كان في حالة شلل تام؛ رائحة الدخان وجلبة النيران وصوت صرخات لطفي كانت ما زالت تتردد في أذنيه. هو يعلم أنه ارتكب الجريمة الكاملة التي لن يغفرها له العمدة، وأن عودته للبيت الكبير تعني جلب الموت لوالده المريض.


توقف ياسر عند المقابر القديمة الواقعة في أطراف الكفر، حيث البيوت الطينية للأموات تبدو أكثر أماناً من بيوت الأحياء. استند إلى جدار مائل لقبر قديم، وجلس يتنفس بسرعة وصعوبة، واضعاً رأسه بين ركبتيه المرتجفتين.


كان يعلم أن الكفر كله أصبح فخاً منصوباً له، وأن جائزة لطفي ستجعل حتى أصدقائه في السهر يتحولون إلى صيادين يبحثون عن رأسه. نظر إلى السماء المظلمة، وشعر بوحدة قاتلة؛ شقيقه عامر بين الحياة والموت في القاهرة، وشقيقه محسن اختفى ولا أحد يعلم مكانه، ووالده عاجز، وهو... هو مجرد هارب ينتظر الرصاصة التي ستنهي حياته الضائعة.


استقرت الأحداث في نهاية هذا اليوم على  الكفر :


الضباب يعود ليتشكل فوق حقول القطن والأرض التي ارتوت بدم عامر.


ياسر يختبئ في ظلمات المقابر، يرتجف مع كل حركة لسعف النخيل.


محسن ينام وسط بهائم المدبح في العاصمة، يحلم بالانتقام والدم.


وزهرة تقف خلف زجاج العناية المركزة بالقاهرة، تتابع الخط الأخضر لقلب عامر الذي بدأ يتباطأ أكثر فأكثر، ليعلن أن الفصل القادم سيكون فصل الحسم بين الموت المستبد والحياة التي تقاوم على حافة الهاوية.
               


تفاصيل الرواية

التصنيف: v77Bm7lYnFNz9LNTl9eqk6uoPRm1 - روايات عربية
الكاتب: admin
الحالة: مستمرة
سنة الإصدار: 2026
اللغة: العربية
مشاهدة: 4.0k

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *