حين عدتُ إلى قصر والداي، لم تكن الأمور مختلفة.
كان كل شيء كما هو: الجنود والفصائل تصطفّ في صفوفهم،
ينحون أمامي كعادتها، بينما وقف آلفريد في آخر الصف، وعندما اقتربت منه انحنى بكل
تواضع.
"آلفريد..."
ابتسم برقة، قائلاً:
"تسرني عودتك سالماً، مولاي... "
نظرت إليه ثم تابع كلامه:
"أرى أنّك أحضرت صديقًا جديدًا معك إلى القصر..."
كان آلفريد يرمقن بيتا بنظرات غريبة، كأنها تهديد
صامت.
"آلفريد... "
"نعم، مولاي... "
"أحضر لي طبيب القصر... "
"أمرك مولاي... "
وبعد أن أنهى الطبيب عمله، توجهتُ إلى قاعة الاجتماعات
ودعوت الجميع. وقفوا جميعًا بوجوههم
منخفضة، ينتظرون كلماتي، حتى بدأت:
هذا لازاروس ومن الآن فصاعدًا سيكون بيتا… قائد
الفصيل الأول. ""
نظرتُ إلى بيتا، الذي انحنى أمامي بتواضع، وقال:
"في خدمتك، مولاي... "
ثم وجهتُ بصري إلى الجميع، وأضفت ببرود:
"هل من معلومات جديدة…؟"
تقدّم آلفريد، وقال:
" مولاي… منذ يومين رصدنا تحركات غريبة
في قطاعنا. يبدو أنّ المنظمة قريبة جدًا منا... "
ابتسمت ابتسامة خبيثة، ثم قلتُ:
"إذًا هم يطوفون في ظلالنا الآن… جيد. "
ضحكتُ أمام الجميع ضحكة مملوءة بالشر، وكأنني على
وشك القضاء عليهم، ثم هدأت.
"يمكنكم الانصراف الآن... "
في الليلة التالية، كنتُ أجلسُ في غرفة
الاجتماعات بينما أنوار القصر كلّها مطفأة. كان بيتا يقفُ بجانبي، مترقّبًا
بصمت.
كانت خطواتٌ تقترب من الباب، ثم صدر صريرُ المقبض
وهو يتحرّك، قبل أن يقفز إلى داخل الغرفة ظلّان.
وفجأة أُضيئت المصابيح من جديد.
كان صاحب المقعد الثاني والثالث
يقفان أمامي.
اقتحما القصر عنوةً ليقضيا عليّ بعد أن وجدوا رجالهم
يتساقطون كالذباب. لكن ما أثار دهشتهم حقًا كان بيتا، صديقهم السابق الذي
تخلّى عنهم.
كانا يشهران أسلحتهما، بينما كنتُ أنا وبيتا
واقفَين بهدوء.
تقدّم صاحب المقعد الثاني وقال مبتسمًا:
ها قد التقينا أخيرًا يا ألفا... ""
هذا شرفٌ لك أن تلتقي بصاحب المقعد الثاني. "
"
ثم تابع بنبرةٍ أكثر حدّة:
لكن لسوء حظّك... لن تعيش طويلًا لتتباهى بهذا
اللقاء. "
"
وفجأة اندفع نحوي، وسيفه موجَّه مباشرةً إلى
عيني. لكن السيف توقّف في الهواء على بُعد بوصاتٍ
منها. كان بيتا قد أمسك سيف الثاني
وأوقف اندفاعه.
قفز الثاني إلى الخلف وهو يصرخ في وجه بيتا:
ما بك أيها الخائن؟! " "
ألا تريد الانتقام لرفاقك الذين قتلهم هذا الوغد؟!
" "
كان الثاني يخاطب بيتا، لكن بيتا لم يُعر كلامه
أي اهتمام. قال بهدوء:
" لا أهتم لأمرك... ولا لأمر البقيّة. اخترت أن أبقى مع ألفا
"
تغيّرت ملامح الثاني، وبدا الغضب واضحًا على
وجهه، كأن خططه قد انهارت.
ثم قال بحدة:
تولَّ أمره يا هيليكس. " "
اندفع هيليكس نحو بيتا، ثم تبعه كايسر.
نظرتُ إلى بيتا، الذي انطلق لمواجهة الثالث، قبل
أن يدفعه بقوة عبر زجاج النافذة، ليخرجا معًا إلى خارج القصر. بقيتُ أنا وكايسر وحدنا داخل الغرفة.
كان يسير نحوي ببطءٍ وبرود، ثم قال:
من المؤسف يا ألفا أنك ستموت الليلة... لن ترى تلك الفتاة مرة أخرى. " "
وتابع بابتسامةٍ باردة:
على الأرجح أن الأول سيقتلها الليلة. ""
لكن ضحكتي الباردة قطعت كلامه ثم خاطبته بتعجرف:
أتظنّ أنني لا أعلم خطتك، أيها الضعيف؟ " "
لا تقلق بشأني... فبعد أن أنتهي منك، سأذهب لقتل
الأول. "
"
لم يعجبه كلامي. اندفع بكل ثقله نحوي. دارت معركةٌ شرسة بيننا، بينما تناثرت شظايا
الأثاث في أرجاء الغرفة. كان خدم القصر قد
غادروا المكان بعد أن طلبتُ منهم ذلك. أمّا جنود الظل فكانوا يقاتلون جنود
المرتزقة الذين أحضرهم الثاني إلى قطاعي ليُفسده.
لم أكن أقلق بشأنهم؛ فَقادة الفصائل كانوا أقوياء
بما يكفي لحسم المعركة. رغم شدّة قتالي مع بيتا سابقًا، إلا أن المعركة
التي دارت بيني وبين زيرا كانت أشدّ بأضعاف.
كان كايسر قويًا للغاية. اشتهر بأسلوب ألفريد في القتال خلال
المسابقة، وكان يرتدي درعًا صلبًا من الفولاذ المغطّى بالذهب. تبادلنا الضربات مرارًا، حتى انكسر سيفي الطويل
بعدما أنهكته كل تلك المعارك خلال الفترة الماضية.
ضحك كايسر بصوتٍ عالٍ وقال بسخرية:
هههههه... انظر إلى نفسك أيها الضعيف. ""
" ها قد انكسر سيفك العزيز. أخبرني
الآن... كيف ستقاتلني من دون سلاحك؟ "
كان يضحك باستهزاء، بينما يستعرض قوته
أمامي. لكنني ابتسمتُ مجددًا، الأمر الذي
أزعجه..
قلتُ بهدوء:
" منذ البداية... لم أكن بارعًا في المبارزة بالسيوف. ثم أخرجتُ نصلًا صغيرًا من ردائي.
"
اتّسعت عينا كايسر بدهشة.
ماذااا؟! ""
أتقاتلني بهذا النصل الصغير؟ ""
ثم تابع ساخرًا:
أتظنّني ضعيفًا لدرجة أنك ستفوز عليّ بهذا الشيء
الضئيل؟ "
"
ضحك بصوتٍ عالٍ، بينما كان يعبث بخصلات شعره
الشقراء. ثم قال بثقة:
" حسنًا يا ألفا...
سأقاتلك بكل قوتي... وسأمنحك موتًا يليق بك. "
اندفع نحوي بكل ثقة. لكنني اكتفيتُ بتجنّب ضرباته مرارًا، حتى بدأ
الغرور يتسلل إلى قلبه.
قال ساخرًا:
" ما الأمر يا ألفا؟ "
هل أصبح القتال صعبًا عليك إلى هذه الدرجة؟ ""
ثم تابع بازدراء:
"هل تفاجأت بقوتي المدهشة أيها المزيّف؟ "
كان يتحدث بثقةٍ وكأن المعركة قد حُسمت
لصالحه. وفي اللحظة التي وجّه فيها سيفه
نحو جسدي، تحركتُ بخفّة خاطفة، ومررتُ نصلي الصغير بسرعة عبر ذراعه.
ظهرت جروحٌ عميقة فجأة على امتداد ذراعه. وفي اللحظة التالية انفجرت الدماء من تلك
الجروح، وتناثرت في الهواء.
سقط سيفه اللامع أرضًا، بينما كان ينظر بصدمة.
تمتم مذهولًا:
" ماذا حدث للتو...؟ "
التقط سيفه بيده الأخرى واندفع نحوي مجددًا
بغضب. لكن نصلي مرّ على ساقه هذه المرة
فسقط أرضًا. كان مذهولًا مما يحدث
حوله. وقفتُ خلفه أنظر إليه باحتقار. حاول رفع سيفه مرة أخرى... لكن يده الثانية
تمزّقت هي الأخرى.
كان جسده الآن مليئًا بالجروح التي انفجرت فجأة
مع كل حركة، بفعل الجروح الدقيقة التي تركها نصلي الصغير.
قلتُ له ببرود:
ما رأيك الآن يا صاحب المقعد الثاني؟ " "
" هل
تفاجأت بقوة نصلي الصغير؟ "
ارتجف صوته وهو يقول:
" لا... لا... هذا مستحيل... "
لقد أخبرني الأول أنك ضعيف... وأنك لست في
كامل استقرارك. ""
ثم صرخ بغضب:
كيف يُعقل أن أخسر أمامك؟! " "
اقتربتُ من أذنه وهمستُ له:
" ألفريد لا يعرف عني
شيئًا... "
ابتسم كايسر ابتسامةً باهتة، كأنه قد تقبّل
مصيره. أدخلتُ النصل في أذنه حتى وصل إلى
دماغه، ثم أدرته داخل رأسه. فانقلبت عينا كايسر فجأة... وسكن جسده.
نظرتُ عبر النافذة لأرى الحديقة مبعثرة
ومحطّمة. كان بيتا لا يزال يقاتل هيليكس. بدا هيليكس أقوى منه، لكن بيتا رفض أن أتدخّل.
طلب مني أن أذهب لقتال الأول قبل فوات الأوان.
وأخيرًا... حانت لحظة الحقيقة.
لكن قبل أن أمضي في طريقي نحو وجهتي الأخيرة،
أخذتُ معي القناع الذي أهدتني إيّاه أمي.
أردتُ أن تكون أمي شاهدةً على انتقامي ممن سلب
حياتها بكلّ وحشيّة.
كانت وجهتي...
البيت الذي وُلدتُ فيه. " "
تحت ضوء القمر البازغ، وفي سكون الليل القاتم،
كنتُ أسير ببطء نحو تلك الذكرى الأليمة.
كنتُ أسترجع ما حدث... ذكرى بعد ذكرى.
أعيدها في عقلي مرارًا، حتى يمتلئ قلبي بكلّ
الوحشية والغضب الذي استطعتُ ادّخاره في داخلي.
حتى وصلتُ إلى ذلك المكان الذي لطالما تجنّبتُه.
رغم مرور تلك السنين الطويلة، ورغم الأمطار
الغزيرة التي هطلت طوال تلك السنوات، إلا أن الرماد الأسود ما زال قائمًا
بين أنقاض البيت المبعثرة.
للحظة...
تذكّرتُ كم كنتُ سعيدًا مع أمي.
للحظة تذكّرتُ ابتسامتها اللطيفة، وعناقها
الدافئ، وصوتها الملائكي.
وللحظة تذكّرتُ صرامة أبي... وقسوته معي.
لكنني تذكّرتُ أيضًا كم كنتُ سعيدًا معهما.
حتى عادت إلى ذهني تلك الليلة. ليلةُ هشاشة جسدي... وضعف عزيمتي.
تذكّرتُ وجه أمي المليء بالدماء، وآثار الضرب على
رأسها.
تذكّرتُ ابتسامتها الأخيرة...
وكلماتها الأخيرة لأبي.
تذكّرتُ حين طلبت مني أن أكون قويًا من أجلها،
وأن أواصل طريقي مهما حدث.
كانت الذكريات تتدفّق في عقلي بلا رحمة، بينما
كان قلبي يشعر بمرارة ما حدث وكأنه يحدث من جديد.
ثم رأيتُه.
كان يقف هناك، وسط البيت المدمّر، وفي يده المسدّس الفضي الذي أخذه من
والديّ.
كانت ذكراتي ضبابية كل هذه السنين عنه و لم ألحظ تفاصيل
وجهه. لربما من هول الصدمة التي تعرّضتُ لها حينما رأيتُ والداي. ولكنني الآن
أتذّكر كل شيء.
" سحقاً لك أيها الوضع... ظننتك مخلصاً لي طيلة هذه السنين. ولكنك
قاتلٌ وضيع. "
لم تكتفي بما فعلت و
حرمتني من الفتاة التي أحبها طيلة سنين كثيرة. " "
سأقتلك سأقتلك سأقتلك...
" "
كنتُ أحادثُ نفسي طيلة
الوثت حتى وصلتُ إليه أخيراً.
قلتُ ببرود:
دائمًا ما يعود المجرم إلى مكان جريمته... أيها
اللعين.
""
ابتسم الرجل ابتسامةً باردة وقال:
منبهرٌ من ذكائك الحاد يا مولاي. " "
ثم تابع:
لم أكن أظن للحظة أنك ستتمكّن من الإطاحة بكايسر
بهذه السرعة. "
"
ثم انحنى قليلًا وقال بسخرية:
" أعذرني لأنني شككتُ بقوتك. "
نظرتُ إليه بعينين متّقدتين. وقلتُ ببطء:
آلفريد... أيها الخائن... " "
كنتَ أنت سبب كلّ شيء... " "
قلتُ بغضبٍ مكتوم:
" كان يجب أن أعلم
منذ البداية أنك خائنٌ وضيع... "
تنهد آلفريد بهدوء، ثم قال:
أعذرني على خيانتي يا مولاي... " "
كان يجب عليّ أن أكون الشرير في قصتك. "
"
ثم تابع بصوتٍ منخفض:
لم أكن أريد أن أواجهك. " "
لكن يبدو أن القدر أراد أن يجمعنا مجددًا."
"
رفع رأسه ونظر إليّ مباشرةً.
" ها أنا الآن واقفٌ أمامك يا مولاي... يمكنك أن تأخذ ثأرك من قاتل والديك. "
صرختُ فيه بينما كانت عيناي تشتعلان غضبًا:
لِمَ فعلتَ ذلك؟! " "
لِمَ قتلتَ والديّ واختطفتَ منة؟! " "
لِمَ قتلتَ يوتا وغامّا؟! " "
لِمَ جعلتَ حياتي جحيمًا أيها الخائن؟! " "
كان صوتي يرتجف من شدّة الغضب، بينما كان آلفريد
واقفًا بصمت. مرّت لحظة ثقيلة... ثم بدأ
المطر بالهطول. رفع آلفريد عينيه نحو السماء، قبل أن يقول بهدوء:
أتذكر تلك الليلة يا مولاي؟ ""
ثم تابع:
أخبرتك حينها أن السيدة أمارا طلبت مني أن
أذهب لزيارة عائلتي...
لكن الحقيقة أنني كنتُ أخطط لقتل والديك منذ البداية.
نظر إلى أنقاض المنزل حوله.
لقد تخلى والديك عن القطاع ومسؤوليتهما فقط
ليعتنيا بك.
ثم قال بنبرةٍ أكثر حدّة:
سلالة والدتك ... ""
" تلك السلالة العريقة التي حافظت على
استقرار القطاع لآلاف السنين. لكن والدتك تخلّت عن مسؤوليتها تجاه شعبها... فقط من
أجلك. "
شدّ قبضته قليلًا.
" لم أستطع تحمّل رؤية الجميع يعاني في صمت، بينما هي لم تكن
تبالي بمصير شعبها. "
"
هي وسلالتها كلها مدينون للقطاع… فكيف لها أن تكون بهذه الجشع، وأن تتخلى عن كل
شيء، عن كل شيء، من أجلك فقط؟ "
" لقد عانت أسرتي… لقد تحطمت حياتنا
بسبب إهمال والدتك لمسؤوليات القطاع. بعد
عام واحد فقط من تخلي والديك عن القصر، اقتحمت عصابة مقرفة القطاع، وراحت تزهق
أرواح الأبرياء بلا رحمة. خسرتُ زوجتي… وأطفالي الثلاثة… كل شيء… ذهب بين يديّ
كالرماد... "
ثم
أمال رأسه للٍأسفل و هو يقول:
"
لقد كنت في بيت والديك أحاول إقناعهم بالعودة إلى القصر حينما خسرتُ عائلتي. كان
يجب عليَّ أن أبقى مع أطفالي في تلك الليلة. كنتُ أستطيع حمايتهم، ولكنني تخلّيتُ
عنهم بسبب والديك الضعيفين "
لذلك قررتُ قتلها... وقتل السيد أرسلان.
""
وتابع:
" طلبتُ من منظمة لوكريس أن تتولى الأمر مقابل أن
أنضمَّ إليها. ثم صمت لحظة قبل أن يقول
بصوتٍ أكثر ظلامًا. "
لكن عندما رأيتهما في المنزل... لم أستطع تمالك نفسي. " أردتُ إهانتهما... وتعذيبهما بأبشع
الطرق. "
ثم أضاف ببطء:
رغم أنهما لم يريا وجهي إلا أنني واثق أن والدتك قد اكتشفت أمري.
"
"
ابتسم ابتسامةً خفيفة.
" فهي كانت تعرف نبرة
صوتي جيدًا. ثم رأيتك خائفًا، تسترق
النظر إلى ما يحدث. حينها طلبتُ من الجميع
المغادرة، وقلتُ إن مهمتنا قد انتهت. "
" لكن رغبتي حينها كانت أن أعود سريعًا لأعيدك إلى قصرك
وقطاعك، حتى تعتني به مجددًا بعدما تخلّى عنه والداك. "
" لا أدري إن كنتُ قد ندمتُ يومًا على ما اقترفت من جرائم... لكنني فعلتُ ما فعلت لأنني ظننتُ أنه الأفضل
للجميع. "
أما يوتا... "
فقد اكتشف أمري أثناء لقائي مع أفراد منظّمة لوكريس،
لذلك تخلّصتُ منه قبل أن يكشف سرّي أمام الجميع. "
و غامّا... " "
تلك الفتاة المزعجة كانت قوية للغاية... لكن القضاء عليها كان ممتعًا. "
"
أما فتاتك البيضاء... " "
" فكم أردتُ قتلها كل يوم طوال السنوات الماضية، لكن لسببٍ ما
لم أستطع أخذ حياتها. "
ربما لأنني لم أرد إيذاءك أكثر.
ثم قال بنبرةٍ باردة:
كنتُ أنا السبب في كل شيء... مولاي الصغير.
"
"
نظرتُ إليه بعينين ملتهبتين وقلتُ:
أتظنّ أنني سأغفر لك ذنبك؟ " "
ثم تابعتُ بغضب:
" لا تكن واهمًا أيها القذر... سأقتلك بأكثر الطرق وحشية في العالم. "
عندها ارتفع ضحك آلفريد حتى ملأ المكان.
وقال:
إن فزتَ في هذا النزال... سأُخبرك بمكان حبيبتك الفاتنة. " "
ثم ابتسم ابتسامةً مظلمة وأضاف:
أمّا إن لم تفز... فسأقتلها أمام عينيك. " "
اندفعتُ نحوه بتهوّر. كان آلفريد هادئًا تمامًا، وواثقًا من
قدرته على الفوز. كنتُ ألوّح بسيفي بعنف، بينما
كان هو يتجنّب ضرباتي بخفّة مدهشة. كان قويًا
للغاية… أقوى مني بأضعاف. كنتُ أشعر بفارق
القوة بيننا كلما طال أمد المعركة. كان في
أقوى حالاته، بينما الجرح السابق في معدتي
ينزف دمًا، وزاد هطول المطر الأمر صعوبةً بأضعاف.
قال بسخرية:
ما بك يا مولاي؟ " "
إن بقيتَ هكذا… فلن تستطيع حتى خدشي. "
"
كان يتحدث وكأنه يستهزئ بقوتي.
كان الأمر محبطًا للغاية. شعرتُ وكأنني على وشك أن أفقد كل شيءٍ في حياتي
من جديد. حتى رأيتُه قادمًا من الخلف. كان بيتا يركض مسرعًا نحوي. وصل إلى آلفريد وركله بكل قوته على وجهه.
ثم التفت إليّ وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة وقال:
هل تأخرتُ عليك يا صديقي؟ ""
بدا وكأنه ركض طيلة الطريق حتى يصل إلى هنا.
قال وهو يبتسم بتعب:
اعذرني على تأخري... احتجتُ وقتًا حتى أشمّ رائحة الشر الكامنة في
قلب الأول. وقف بجانبي مستعدًا
للقتال، بينما كان آلفريد يمسح الدم عن فمه.
قال بيتا مبتسمًا:
إذاً يا
صديقي… هل ننطلق معًا؟ "
"
ناداني بالصديق.
لم أسمع هذه الكلمة منذ يوتا.
قلتُ بهدوء:
" حسنًا بيتا… الآن. "
انطلقنا معًا.
بدأنا نتبادل الأدوار في قتال آلفريد. هذه المرة كانت ضرباتنا تصيبه بوضوح.
لم يستطع مواكبة التوافق في أسلوب قتالنا. وبعد عشرات الضربات، تراجع آلفريد إلى الخلف
وهو يلهث بشدة. رفع رأسه نحو السماء... ثم بدأ يضحك بهستيرية. وفجأة أخرج مُسدّسه الفضي من ردائه
الأسود.
أطلق النار نحوي، لكن بيتا اندفع أمامي... وتلقى الرصاصة بجسده. تابع آلفريد إطلاق النار، حتى استقرت عدة
رصاصات في جسد بيتا.
سقط جسده عليّ، فسقطتُ معه أرضًا. حاولتُ إيقاف النزيف من جسده، لكنه أمسك بيدي
وقال:
" لا تقلق عليّ... أنا
أرتدي درعًا صلبًا تحت ردائي. "
ثم تابع بصوتٍ متعب:
" عليك أن تنهي المعركة بنفسك… يا صديقي. "
قلتُ له:
حسنًا… اعتمد عليّ.
وقفتُ ببطء ثم
التقطتُ القناع الذي سقط أرضًا ووضعته على وجهي. بعدها أخرجتُ نصلين من داخل ردائي. وانقضضتُ على آلفريد.
كانت المعركة شرسة.
وبعد سلسلة طويلة من الضربات، استطعتُ إسقاطه
أرضًا. وسقط سلاحه بعيدًا عنه. التقطتُ المسدس بيدي.
نفس
المسدس... الذي قُتل به والداي. ما زلتُ أذكر لونه الفضي، وانعكاس الضوء على
سطحه الناعم.
قال آلفريد بصوتٍ متقطع:
يبدو أنني… استهنتُ بقوتك يا مولاي. ثم ابتسم ابتسامة باهتة:
أحسنت عملًا...
لكن يبدو أنك ستخسر في النهاية. " "
عندها أخرج شيئًا من ردائه... ورماه نحوي.
لم أستطع تمييز ما هو. رفعتُ المسدس... وأطلقتُ النار. اخترقت الرصاصة قلب آلفريد مباشرة.
لكن الشيء الذي ارتطم بجسدي كان... صورةً تذكارية.
كانت صورة تجمع أمي… وأبي… وآلفريد.
وصورة أخرى...
تُظهر منة نائمة في غرفةٍ أعرف ملامحها
جيدًا... كانت نائمة في
غرفتي...
رفعتُ رأسي عن الصورة ونظرتُ إلى آلفريد. كان قد سقط أرضًا… بلا حراك. والدماء تسيل من جسده بغزارة.
عدتُ إلى بيتا، وتفحّصتُ نبض قلبه. كان لا يزال ينبضُ بشكلٍ مستقر.
بعد لحظات وصل جنود الظل إلى المكان. طلبتُ منهم أن يعتنوا ببيتا ويأخذوه لتضميد
جراحه.
ثم نظرتُ إلى جسد آلفريد الممدّد على
الأرض. صمتُّ للحظة… بينما كان المطر يواصل الهطول فوق
جسده.
ثم قلتُ ببرود:
احرقوا جسده. " "
انطلقتُ
مسرعًا نحو القصر لأراها.
نبذه عن الرواية
جاري التحميل…
رماد الخيانة.. ودموع القناع
………
تفاصيل الرواية
التصنيف:
JdS5x7PuhtVu50WZ9t5FyhcyNwC3 - روايات عربية
الكاتب:
admin
الحالة:
مستمرة
سنة الإصدار:
2026
اللغة:
العربية
مشاهدة:
4.0k
اترك تعليقاً