أردتُ التدرب
على القتال بسيفٍ سحري، فطلبتُ من قائد الجيش أن يدرّبني، بعدما اخترتُ أثقل سيفٍ
سحري في الخزينة.
في ساحة
التدريب داخل باحة القصر، كان الجميع حاضرًا: الملك، الوزراء، زوجته وابنته
الأميرة، قائد الجيش وبعض قادة جنوده.
بدأ القتال
بيني و بين قائد الجيش. أردتُ خصماً قوياً ليساعجني في التدريب و لم أجد أفضل من
قائد الجيش. كانت سيوفنا تتقاطع بصوتٍ صاخب، كأنها تتحدث فيما بينها. كان الجميع
مصدومًا من القوة والسرعة. قائد الجيش يبارزني بعزيمة، بينما تظهر آثار الهزيمة
على وجهه. بضربة خاطفة، جرح سيفه خدّي، وقطرات الدماء تتساقط على الأرض.
قال قائد الجيش
مبتسمًا بفخر:
"هيا يا ضعيف… لن تستسلم بسبب خدٍ سطحية
كهذا. "
أجبته بثقة،
وابتسامة خفية تقبع في داخلي:
حسنًا، سأريك قوتي. "
"
وفي غمضة عين،
تحطّم سيفه إلى فتات صغيرة، والجدار الذي كان خلفه أصبح مليئًا بالفتات والحجارة
المتناثرة. لم يستطع أحد رؤية ما حدث بالضبط، لكن الجميع صفّق بحرارة على هذه
المباراة الحماسية المدهشة.
بعد خمسة أيام...
كنتُ أتمرّن
بلا توقف، كل صباح ومساء، سيفي السحري بين يديّ، أستشعر قوته وكأنه جزء من جسدي.
الدب يراقبني من بعيد، أحيانًا يضحك من محاولاتي الخاطئة، وأحيانًا يصرخ عليّ
بحماسة ليصحح حركتي.
الملك ووزراؤه
جاءوا للاطلاع على تقدمي، ولكن لم يكن اهتمامي بهم، كنتُ أعيش كل لحظة من التدريب
وكأنها المعركة الحقيقية.
في نهاية اليوم
الخامس، شعرتُ بتغيّر كبير:
سيفي لم يعد مجرد أداة للقتال، بل أصبح امتدادًا
لإرادتي، وكل حركة أصبحت سلسة، حادة، دقيقة.
حينها نظر إليّ
قائد الجيش بإعجاب وقال:
" لم أرَ أحدًا يكتسب هذه السرعة والقوة
في خمسة أيام فقط… أنت حقًا مختلف يا أرين. "
ابتسمتُ
بتواضع، بينما في داخلي كنت أعلم أن الطريق لم ينتهِ بعد… وأن الشر ينتظر اللحظة
المناسبة ليعود.
السماء بدأت
تميل للغروب، وألوان الشمس الذهبية تلتمع على حدّ السيوف والجواهر في ساحة
التدريب، وكأنها تحثني على الاستمرار، على أن أصبح أقوى… لأجل القادم.
كان موعد
مغادرتي قد حل، وبينما كنت أودّع الملك، سمعت صوتًا عاليًا يصدح من خارج القصر.
نظرت من النافذة فرأيت أعدادًا غفيرة من الجنود، قد بدأوا
يزحفون نحو ميلانور.
جيش عظيم يمتد حتى الأفق، يرفعون رايات سُهامرا
عالياً، وكأن الأرض تهتز تحت أقدامهم.
نظر إليّ الملك
وقال:
" هذه المرة… سنقضي على الشر كليًّا. "
قالها بابتسامة
ساطعة تنير وجهه، وكأن ضوءها قادر على تبديد الظلام.
ثم أخرج هدية مغلّفة، وطلب مني فتحها.
كان السيف الأسود، جديدًا ولامعًا، يشبه إلى حدّ ما سيف
تايفوروس، لكن شعورًا غامضًا يحيط به، كأن له إرادة خاصة.
قال الملك:
أعذرني يا أرين… لم أستطع الحصول على أي معلومات عن هذا
السيف.
وجوده في الخزينة مجهول… لربما كان منذ عهدٍ قديم...
لا تقلق، أيها
الملك… " "
" هذا السيف
سيكون عونًا كبيرًا في المعركة. "
ثم ترددت
للحظة، قبل أن أضيف:
"
بالمناسبة أريد الذهاب إلى ميروفان. هل تستطيع أن... "
" " حسنًا… حسنًا
قاطعني الملك بابتسامة بسيطة بعدما قرأ ملامح وجعي
الضائعة.
" سأرسل معك رسالة ملكية تشرح كل شيء لملك ميروفان."
ودّعتُ الجميع بحرارة و غادرتُ المملكة نحو وجهتي
التالية.
انطلقتُ نحو ميروفان
في رحلة امتدت يومًا كاملاً. كانت قريبة
من سُهامرا، وحليفة قوية لها. سهّل الوصول إلى العاصمة ختم الملك على الرسالة،
فمرت بسلام بين الحراس. لم أنتظر طويلًا حتى
رأيت الملك، الذي رحب بي بحرارة. أخبرته
بكل ما يجري بعد أن قرأ الرسالة الملكية.
كان يستمع إليّ بانتباه، بينما اكتفى وزراء الحرب
بالصمت، كأنهم يترقبون كل كلمة.
ثم نهض ببطء
وقال:
" في العهد القديم قطعنا ميثاقًا أزليًا
يقضي بمحاربة الشر أينما وُجد… واليوم نحن أمام كارثة حقيقية. "
تابع بصوتٍ
صارم:
إما نحن… أو
جيش الطاغية. ""
وقف الملك،
ووقف جميع الحاضرين معه.
رفعوا سيوفهم في الهواء، واهتزت القاعة بصدى هتافاتهم
للحرب.
دعاني الملك
للمكوث في قصره، لكنني رفضت دعوته، لأكسب الوقت قبل أن تبدأ المعركة.
ثم أخبرته
برغبتي في التوجه إلى أتلانتس.
صمت الملك للحظة، ثم أمر أحد جنوده بحزم:
أحضِر ناجا. "
"
ناجا...!!
" "
أعظم بحار
عرفته مملكة ميروفان.
رجل كبير في السن، ضخم البنية، عين واحدة صافية، بينما
الأخرى تغطيها رقعة سوداء.
كل حركة له تشع بالقوة والخبرة، وكأن البحر نفسه يهاب
حضوره.
قال الملك:
" قد لا أملك أحجارًا سحرية مثل أحجار سُهامرا لكنني ملك البحار، أمتلك المعرفة العظيمة في
الأمواج وناجا سيكون ورقة عبورك نحو أتلانتس. "
كانت الأحداث
تتسارع، والجيوش بدأت تتجمّع.
انطلقتُ مع ناجا
على متن سفينة كبيرة، مليئة بالبحّارة الطامحين، عيونهم مشتعلة بالإصرار، كل واحد
منهم يحلم بالعثور على أتلانتس.
بعد عشرة أيام...
الدبّ يتقيأ.
قال بصوته
الغريب وهو يدور حول نفسه من شدة الإرهاق:
أرين… كم بقي حتى نصل إلى أتلانتس؟
" "
" لا أعلم…
سأذهب للقاء ناجا الآن. "
كانت الأمواج
تتلاطم بعنف، والعاصفة تعصف بالسفينة والبحارة يحاربون بكل قوتهم للإبقاء الأمور
متمساكة
بينما ناجا كان صارمًا طيلة الوقت على بحّارته:
أنزلوا الشراع… اربطوا الحبال! "
"
" هيا يا رجال… ليس هذا وقت التكاسل! "
كان الجميع
يفقد رباطة جأشه، والرحلة طال أمدها أكثر من اللازم… ولم يظهر أي أثر لأتلانتس حتى
الآن.
دخلتُ غرفة ناجا،
وجدته منهمكًا في مراجعة الخرائط وقياس المسافات.
" ما الأمر،
أيها القبطان؟ "
" أكلّ شيء على ما يرام؟ "
سألته بينما
أراقب صمته الحزين.
أجاب:
" وفقًا للخرائط القديمة، كان من
المفترض أن نصل إلى أتلانتس منذ مدّة… لكن لا أثر لها ضمن نطاق
الرؤية. "
هل أخطأتُ في
قراءة الخريطة؟ ""
كان التردّدُ والخوفُ يملآن عقله، بينما كان غارقًا في صمته
الثقيل.
ثم فجأة...
دوّى صوتُ بحّارٍ يصرخ:
وحشٌ...!
خرجتُ سريعًا لأرى ما الذي جرى. كان البحّارةُ يحدّقون في المياه القريبة من بدن
السفينة، ووجوههم شاحبة كأنّ الموج سحب منها لونها.
اقتربتُ من أحدهم وسألته عمّا يحدث.
قال وهو يشير بيدٍ مرتجفة:
شيءٌ ما… يتحرّك في المياه... "
"
تقدّمتُ خطوةً أخرى نحو الحافة، أرهفتُ سمعي...
كان هناك اضطرابٌ غريب تحت السطح، دوّاماتٌ صغيرة تتشكّل
ثم تختفي، وكأنّ البحر نفسه يتنفّس...
وفجأة... ظهر ظلٌّ هائل تحت الماء، يمرّ ببطءٍ أسفل السفينة. ظلٌّ أصغر من أن يكون وحش. أضواءٌ ساطعةٌ كسرت الأمواج، فعَمِيَت عيونُ
البحّارة لوهلة، بينما كان الهلعُ يتمدّد على ظهر السفينة كظلٍّ ثقيل.
كان الجميع يرتجف...
أمّا أنا، فكانت الحقيقةُ واضحةً في عيني.
لم تكن وحوشًا ولا أشباحًا مخيفة.
هؤلاء هم شعبُ البحر...
شعبُ حورِ البحر. يترصّدون الأعداء الذين يبحرون بحثًا عن الكنوز
الدفينة في الأعماق.
ولكن...
ما هذا؟""
تظهر على وجوههم تعابيرُ مرتعبة... عيونهم التي اعتادت التحدّي صارت تتلفّت في فزع.
هل حدث شيءٌ ما…؟ ""
ناجا!! " "
أوقِف السفينة فورًا...
" "
صرختُ عليه بكل قوتيو هو التزم بأمري
و لم يسألني عن السبب.
أمر بحّارته أن يثبتوا في أماكنهم، وأن تُخفض الأشرعة،
وأن يتوقّف كلُّ شيء.
ثم فجأة... اختفت
المخلوقات، كأنّ البحر ابتلعها.
ما الذي حدث يا أرين؟ "
"
" ولماذا أوقفنا السفينة؟ "
سألني ناجا، وصوته مشدودٌ كوترٍ على وشك الانقطاع.
قلتُ وأنا أحدّق في المياه:
شيءٌ ما غيرُ صحيح... هناك خطبٌ ما في البحار. "
"
ثم فجأة.
بدأت فقاقيعُ ضخمةٌ تصعد من الأعماق، كأنّ شيئًا هائلًا يتنفّس
تحتنا.
ارتفعت الأمواج، وضربت السفينة بخشونة. الخشبُ يتصدّع... وصوتُ احتكاكه يصرخ في الأرجاء.
تمسّكوا جيّدًا...!! "
"
وقبل أن تكتمل كلماتي.
ذراعٌ عملاقةٌ خرجت من تحت السفينة، والتفّت حول بدنها تعتصره
كما تُعصرُ قطعةُ قماش.
ذراعٌ أخرى، ثم أخرى...
ما الذي يجري…؟ "
"
كان البحّارة يركضون مذعورين، والأذرع تلتقطهم واحدًا تلو
الآخر، تقذفهم في الهواء… ثم إلى البحر.
طفح كيلي حينها.
سحبتُ السيفَ الأسود من غمده، ورفعتُه عاليًا، ثم ضربتُ الهواء
أمامي ضربةً شقّت الريح، فانفصلت أولُ
ذراعٍ عن جسدها.
اهتزّ البحرُ صرخةً مكتومة، وتراجعت الأذرعُ الأخرى إلى
الأعماق، كما لو أنّ الظلام استعادها إلى حضنه. ساد الصمتُ على ظهر السفينة، صمتٌ أثقل من
العاصفة.
هل أنتم بخير؟! "
"
صاح ناجا في بحّارته.
أنقذوا رفاقكم من البحر… بسرعة! ""
ركض الرجال نحو الحبال، يلقونها في المياه المتلاطمة، وأنا ما
زلتُ أحدّق في الأعماق، لأنني كنت أعلم أن ذلك لم يكن سوى إنذار.
عندما صعد الجميعُ إلى بدن السفينة، صاح ناجا في البحّارة،
وأمرهم أن يُخرجوا السفينة من هذا المكان فورًا...
لكن قراره كان خاطئًا.
سُمع هديرٌ عميقٌ في الأعماق، هديرٌ يشبه انشقاقَ جبلٍ تحت
الماء،
وبدأت السفينة تتخبّط من جديد.
ثم...
الكراكن
ظهر وحشٌ عملاقٌ يمتلك أذرعًا لا تُحصى.
وحشُ البحر أو ما
يُعرف بـ الكراكن.
خرج أخيرًا من الأعماق، بجسده الهائل الذي بدا كجبلٍ عظيم، أو
كجزيرةٍ عائمةٍ تنبضُ بالغضب. أذرعه
العملاقة حجبت ضوء الشمس، والبحرُ من حوله بدا صغيرًا… خائفًا.
أمسك السفينة بأذرعه الطويلة، وأحكم قبضته على ساريتها،
وبدأ يمزّق بدنها كما يُمزّق الورق. ارتفع صوتُ البكاء على ظهر السفينة،
بينما ناجا يقف وسط رجاله، وصوته يخترق الفوضى:
ما عهدتُكم هكذا ضعفاء... ! ""
ثم صرخ، وعيناه تتّقدان:
"
إمّا أن نقهر الوحش... وإمّا أن نموت
بشجاعة! "
اشتدّت عزيمة الطاقم، وسرعان ما أُشعلت المدافع، وانطلقت
القذائف نحو جسده الهائل.
لكن...
كانت الطلقات ترتطم بجلده، وتسقط كما يسقط المطر على صخرٍ أصمّ.
لا أثر... ولا
جرح. حينها خيّم الصمت، صمتُ من يتقبّل قدره.
رأيتُ في أعينهم استسلامًا مريرًا. لكنني…
لم أكن مستعدًا للموت.
انطلقتُ.
قفزتُ في الهواء، والريحُ تعصف حولي، وسحبتُ سيفي الأسود الذي
امتصّ نور النهار. و بضربةٍ واحدة ششقت السماء، و اخترق السيفُ رأس
الوحش، مُحدثًا فتحةً عظيمة، كأنّ البرق ضربه من الداخل.
اهتزّ جسده، وتزلزل البحر تحته.
ثم...
سقط رأسه الهائل على السفينة، التي لم تتحمّل ثقل الكارثة،
فتهشّمت ألواحها، وتفتّت بدنها، وغاصت ببطءٍ نحو قاعٍ
صغيرٍ من الحطام والخشب المكسور...
بينما أنا، كنتُ
معلّقًا بين السماء والبحر، أراقب نهاية السفينة... وبداية شيءٍ آخر.
كان الجميع يائساً و يفكر بأن حياته ستنتهي ولكن ظهر بصيص أملٍ
حينما انقشع غبار الحطام و الضباب.
اليابسة... !!
فرح الجميع بعدمت رأو اليابسة و بدأؤوا يهللون و يصيحون بحماس.
أمرهم ناجا بالتجديف نحو اليابسة بأقصى طاقتهم.
وصلنا إلى الشاطئ أخيرًا، والبحر خلفنا كان هادئًا على نحوٍ
مريب،
كأنّه يُخفي سرًّا أكبر ممّا رأيناه.
ارتمى بعض البحّارة على الرمال شكرًا لنجاتهم، وضجّ الهواء
بضحكاتٍ متعبة، بفرحٍ يشبه الدموع أكثر مما يشبه النصر.
أمّا ناجا...
فقد صعد إلى صخرةٍ عالية، وثيابه الممزّقة ترفرف مع الريح،
وصوته يعلو فوق هدير الأمواج.
لا تظنّوا أنّ النجاة نهاية الطريق! " "
لسنا هنا في إجازة... ""
" علينا أن نجد وسيلةً نعود بها إلى ميروفان!
"
تردّد اسم ميروفان بين الرجال، كأنه وطنٌ بعيدٌ يلوّح
لهم من الضباب.
رأيت في أعينهم تعبًا... لكنني رأيت أيضًا شرارةً لم تنطفئ.
في تلك اللحظة، ابتعدتُ بصمت.
لم يكن مكاني بينهم الآن.
كان هناك شيءٌ يشدّني نحو الأفق، نحو سرٍّ أعمق من
الكراكن،وأقدم من الكنوز.
سرتُ على امتداد الشاطئ، والدبّ يسير إلى جواري بخطواتٍ ثقيلة،
يتلفّت حوله بحذر.
وفوقنا...
سيرافون
كان الحصانُ المجنّح سيرافون يحلّق في دوائر واسعة،
وجناحاه يعكسان ضوء الشمس المتكسّر على الأمواج.
هبط أمامي، وصهيله كان أشبه بنداءٍ قديم.
مسحتُ على عنقه، وهمستُ:
حان الوقت...
التفتُّ نحو البحر مرةً أخيرة، حيث يقف ناجا بين رجاله،
يصنع أملاً من الحطام.
ثم ركبتُ سيرافون، وصعد الدبّ خلفي بثباتٍ غريب، وانطلقنا نحو
المجهول.
نحو أتلانتس.
المدينة التي لا تظهر إلا لمن يجرؤ، ولا تكشف أسرارها إلا لمن
نجا من البحر.
لكنني كنت أن أعلم الطريق إليها لن يكون أقلّ رعبًا ممّا تركناه خلفنا حتى بدأت
تظهر معالمها أخيراً بعد أنجُبتُ الجزيرة ذهاباً و إياباً بحثاً عنها..
أطلالٌ مهجورة، وحجارةٌ
متناثرة كعظامِ مدينةٍ منسيّة.
هكذا بدت المملكة.
كلُّ شيءٍ فيها صامت، صمتٌ ليس هدوءًا… بل حدادًا.
في قديم الزمان كانت تمثّل التقدّم والحضارة، أمّا الآن فهي
رمزٌ للموت،
وشاهدٌ على سقوط عظمةٍ لم يحتملها الزمن. لكنني لم أرد أن أخسر المزيد من الوقت.
أغمضتُ عينيّ، وتركتُ سحري يمتدّ تحت الأرض كجذورٍ تبحث عن
نبضٍ قديم، ثم… وجدتها.
الأحجار.... !! "
"
مدفونةٌ عميقًا في باطن الجزيرة.
رفعتُ سيفي وضربتُ الأرض ضربةً واحدة. فانشقّت الجزيرة،
كما لو أنّها انقسمت نصفين تحت إرادةٍ خفيّة.
هبطتُ برفقة سيرافون والدبّ إلى الأعماق، إلى حيث تلمع الجواهر
بلونٍ باهت، كأنها نجومٌ سقطت ولم تمت، لكن
طريقنا سُدّ ببابٍ عظيم. بابٌ هائل، سميكٌ،
يبدو كأنّه مشبّعٌ بسحرٍ أقدم من البحر نفسه.
لوّحتُ بسيفي ولكن لم يحدث شيء.
كرّرتُ الضربة.
لا أثر.
كان الباب ثابتًا، عنيدًا، كأنه يرفض أن يُبعث ما خلفه إلى
النور.
وفجأة...
"
أرين… تعال ألقِ نظرةً هنا... "
ناداني الدبّ من بعيد.
اقتربتُ، فرأيتُ لوحًا صخريًّا يحمل نقشًا قديمًا. نصٌّ بلغةٍ
منسيّة، لكنني تعرّفتُ إليها فورًا. لغةُ
السحر التي تعلّمتُها من كتاب جدّتي. مرّرتُ
أصابعي فوق الحروف، وهمستُ بالكلمات كما لو أنني أستعيد لحنًا قديمًا.
اهتزّ الباب و صدر صريرٌ عميقٌ خرج من جوفه، وبدأ يتحرّك ببطء،
سامحًا للهواء المسجون داخله أن يندفع إلى الخارج.
رائحة الموت... !! "
"
هواءٌ خانق، كأنّ ملايين الأرواح محبوسةٌ فيه. شعرتُ بثقلٍ على صدري، كأنّ المكان يرفض وجودنا.
لكن ما رأيته في الداخل... كان أفزع مما
توقّعت.
غرفةٌ عظيمة، قبّةٌ شاهقةٌ تلامس الظلام. ويبدو أن شعب أتلانتس اتّخذ من هذا المكان ملجأً
يقيهم أمواج الس.حر التي ضربت المملكة.
لكنهم... كانوا جميعًا
هنا.
أجسادٌ متجمّدة في أماكنها، كما لو أنّ الزمن توقّف فجأة.
أمٌّ تضمّ طفلها، محاربٌ يقف وسيفه مرفوع، شيوخٌ جاثون في صلاةٍ أخيرة.
لم يموتوا في فوضى...،
بل ماتوا انتظارًا، شامخين و فخورين بنهايتهم. وفي منتصف القاعة، شيءٌ ما كان لا يزال ينبض. عظامٌ فوق عظام. وآثارُ الرعبِ محفورةٌ في تجاويفها الباردة، كأنّ
الخوفَ لم يغادرهم حتى بعد الموت. لم أشأ
أن أُزعج سكونهم. انحنيتُ قليلًا… ثم عدتُ أدراجي احترامًا لهم.
لكنني لم آتِ إلى
أتلانتس لأغادر فارغَ اليدين. تذكّرتُ ما روته لي جدّتي.
درعُ ملك أتلانتس. درعٌ سحريٌّ كان يرتديه في الحروب، يقاوم
الحرارة والنار، ويصدّ أقوى التعاويذ التي عرفتها البشرية. درعٌ صُمّم ليجعل من مرتديه حصنًا حيًّا.
... أريده
همستُ لنفسي، ثم اتجهتُ نحو قاعة العرش.
قاعة العرش
قاعةٌ فسيحة، أعمدتها شاهقة كأنها تحمل السماء، والرايات
الممزّقة تتدلّى من الجدران كذكرياتٍ نازفة.
وفي نهاية القاعة كان العرش.
ما زال قائمًا بشموخ، كأنّه تحدّى السقوط وحده، ورفض أن ينحني
كما انحنت المملكة. اقتربتُ ببطء بينما أنفاسي تتردّد بين الجدران، لكن الدرع لم يكن
هناك. نظرتُ حولي، فتّشتُ بين الظلال، تحسّستُ الأرض والجدران.
لا أثر...
هل اختفى الدرع…؟ "
"
"
جدّتي أخبرتني أنه وُجد منذ آلاف السنين، لكنها لم تقل إن كان ما يزال باقياً... أم أنّه اختار صاحبه وغادر. "
شعرتُ بضيقٍ في صدري.
أطلتُ النظر في أرجاء الغرفة من جديد، أبحث عن بريقٍ معدني، عن
انعكاسٍ خافت... عن أي علامة.
لا شيء.
وفي تلك اللحظة سمعتُ صوتًا مزعجًا.
التفتُّ، فوجدتُ الدبّ يركل الحجارة في أرجاء القاعة، غير
مكترثٍ بصمت الموت الذي يحيط بنا.
لا تكن صاخبًا... ""
قلتُها بوجهٍ متجهّم.
وكنتُ أعلم شدّة غبائه... لكنني لم أكن أعلم، أن ركلته التالية
ستكشف ما عجزتُ عن إيجاده. ثم ركل الدبُّ
حجرًا كبيرًا نحو العرش ،فتشقّق
السكون. ظهر شرخٌ دقيق في قاعدة العرش، كأنّ
صدعًا في الزمن انفتح فجأة.
"
لحظة يا دبّ... "
أعد ما فعلته. ""
التفت إليّ بعينين متألّقتين، وظنّ أنه اكتشف سرًّا عظيمًا.
فجأة تضخّم جسده، تمدّدت عضلاته، وصار بحجم صخرةٍ من صخور
الجزيرة. رفع حجرًا ضخمًا بكلتا يديه، وأطلقه
نحو العرش، فتحطّم العرش
إلى شظايا، وتناثرت القطع في القاعة، كأنّ تاريخًا بأكمله سقط دفعةً واحدة.
ومن بين الغبار... ظهر
الدرع.
"
ما رأيك…؟ "
" ها أعجبتك قوّتي؟ "
قالها وهو يستعرض عضلاته أمامي بفخرٍ ساذج.
نظرتُ إليه ببرود.
بل أعجبتني شدّةُ غبائك. "
"
عاد جسده إلى طبيعته فورًا، وتنهّد بتذمّر:
كلامك ليس مضحكًا يا أرين... "
"
لكنني لم أكن أستمع له. كنتُ قد اقتربتُ من الدرع.
درع ملك أتلانتس
انحنيتُ والتقطتُه ببطء.
كان قطعةً فنيّةً لا تشبه دروع البشر. معدنه داكنٌ لامع، تنساب عليه نقوشٌ متوهّجة
بلغةٍ سحريّة. شعرتُ بنبضٍ خافتٍ تحت
راحتي، كأنّه كائنٌ حيّ ينتظر من يرتديه. امتزج
فيه السحر بالتعاويذ المحرّمة، وتشابكت الرموز حول أطرافه كحلقات حمايةٍ أبدية.
كان يبدو وكأنه لن ينكسر أبدًا... أو كأنه قادرٌ على ردّ الشمس بأكملها إن حاولت
إحراقه.
للحظةٍ شعرتُ أن القاعة تغيّرت. كأنّ العرش الذي صمت آلاف السنين، لم يصمت ضعفًا، بل انتظارًا.
انتظارًا لهذه اللحظة.
رفعتُ بصري نحو ما تبقّى من العرش، وهمستُ في داخلي:
وداعًا أتلانتس...
ثم أدرتُ ظهري للمملكة الغارقة، وللصمت الذي سيبقى يحرس موتها.
سرتُ مع الدبّ وسيرافون عبر الممرّات المنهارة، والدرع على
كتفي يلمع بخفوتٍ غامض.
عدتُ نحو الشاطئ... نحو
ناجا وطاقمه، لكنني كنت
أعلم ـن الرحلة التي ستبدأ بعد الآن، لن
تشبه أي رحلةٍ خضناها من قبل.
"
من أين حصلتم على هذه السفينة؟ "
سألته باستغرابٍ واضح.
ابتسم ناجا ابتسامة المنتصر، ومسح على لحيته المليئة بالملح. المعجزات موجودة حقًّا يا أرين. وجدها أحد البحّارة وهو يبحث عن الطعام...
كانت راسية خلف التلال الصخرية، وكأنّ الجزيرة كانت
تخبّئها لنا.
وهي بحالةٍ أكثر من جيدة… بل عظيمة.
نظرتُ إليها طويلًا.
السفينة الجديدة
سفينةٌ كبيرة تجسّد القوّة والمتانة، أخشابها داكنة، وساريتها
تعانق السماء بثبات.
رغم كل هذه السنين، بدت كأنّها لم تعرف الغرق يومًا.
هيّا يا رجال! ""
سننطلق في غضون نصف ساعة! " "
دبّت الحياة في الشاطئ. حُمِّلت السفينة مؤونةً وفيرة من الفواكه،ولحوم
الحيوانات التي وُجدت في الجزيرة.
ارتفعت الأشرعة. وانطلقت
السفينة تخوض الأمواج من جديد، كأنّها وُلدت لتكمل ما بدأته سابقتها.
أمّا الدبّ وسيرافون، فقد انطلقا في السماء، يحلقان فوق
السفينة،يبحثان عن طريقٍ خالٍ من الأمواج الكاسرة والتيارات الغاضبة.
كنتُ أقف عند مقدّمة السفينة، والدرعُ على كتفي يلمع بخفوتٍ
غامض،
أشعر بثقله... وثقل
ما ينتظرنا.
مرّت الأيام سريعًا.
خمسة أيّام فقط، ثم ظهرت اليابسة في الأفق.
خطٌّ أخضر داكن، يتّسع شيئًا فشيئًا. وصلنا في وقتٍ قياسي،لكنني لم أشعر بالراحة، لأنّ العودة السريعة... نادراً ما تعني نهايةً سعيدة.
ودّعتُ ناجا وطاقمه
بحرارة، وكان في عينيه وعدٌ باللقاء مجددًا. ثم انطلقتُ مع الدبّ وسيرافون بسرعةٍ خاطفة نحو
حدود ميلانور. كنتُ أظنّ أنني
سأجدها هادئةً كما تركتها... لكن ما رأيته
هناك أوقف أنفاسي.
نبذه عن الرواية
جاري التحميل…
أتلانتس: صمت الموتى وصرخة الدرع
………
تفاصيل الرواية
التصنيف:
JdS5x7PuhtVu50WZ9t5FyhcyNwC3 - روايات عربية
الكاتب:
admin
الحالة:
مستمرة
سنة الإصدار:
2026
اللغة:
العربية
مشاهدة:
4.0k
اترك تعليقاً