طريق صلاح سالم: وراية حبيبي المتحول عمل حصري 8.7

طريق صلاح سالم: وراية حبيبي المتحول

4.0k مشاهدة 1 ساعة و 41 دقيقة
ابدأ القراءة

نبذه عن الرواية




جاري التحميل…

طريق صلاح سالم


………

تحميل الفصول…


المؤلف

المسافة من مصر الجديدة إلى المعادي في الأيام العادية كانت تستغرق نصف ساعة، أو ساعة لو قررت زحمة القاهرة أن تمارس طقوسها السخيفة. لكن اليوم، في عالم زالت فيه القوانين، كانت المسافة تبدو كرحلة إلى قارة أخرى مجهولة ومليئة بالأهوال.كانت فريدة تعرج قليلاً بسبب كدمة ركبتها، وكتفها يؤلمها بشدة من أثر السقطة الأخيرة. آدم كان يمشي بجوارها، يلتفت كل بضعة أمتار ليراقب ملامح وجهها المتألمة. قميصه الكاروهات أصبح ممزقاً بالكامل من جهة الصدر، مبرزاً ذلك الجرح الرمادي، لكنه لم يكن يهتم بنفسه؛ كل تركيزه كان منصباً على حمايتها.
"مش هنقدر نمشي كل ده على رجلينا يا آدم"، قالت فريدة وهي تسند يدها على جدار فيلا مهجورة، وتتنفس بصعوبة. "جسمي مش هيستحمل، والشوارع المفتوحة دي بتمثل غطاء مكشوف لأي هجوم. لازم نلاقي عربية."
نظر آدم حوله. الشارع كان مليئاً بالسيارات، لكن معظمها كان مهشماً أو متصادماً في كتل حديدية متداخلة. مشى ببطء نحو سيارة "تاكسي" بيضاء كانت تقف على جانب الرصيف، بابها مفتوح. انحنى ونظر بداخلها، ثم التفت إلى فريدة وهز رأسه يميناً ويساراً (لا). كانت عجلة القيادة ملطخة بالدماء، والمفاتيح ليست بها.
استمروا في البحث لعدة دقائق، حتى توقف آدم فجأة أمام سيارة دفع رباعي ضخمة (SUV) سوداء. كانت تبدو سليمة تماماً، زجاجها مغلق، لكن الصدمة كانت في الداخل.
اقتربت فريدة ببطء، ونظرت عبر الزجاج الداكن. انقبض قلبها بشدة وتراجعت خطوة للخلف. داخل السيارة، كان هناك رجل في منتصف العمر، يرتدي بدلة أنيقة، لكنه كان متحولاً. كان يجلس في مقعد السائق، يربط حزام الأمان، وعيناه البيضاوان مثبتتان على عجلة القيادة، ويموّه بصوت خافت مكتوم خلف الزجاج. في المقعد الخلفي، كانت هناك حقيبة مدرسة صغيرة لـطفل، ودب لعبة صغير ملقى على الأرض.
كان المشهد يختصر مأساة "النهاية". هذا الرجل قفل على نفسه سيارته ليحمي نفسه، أو ربما تحول بالداخل وهو يحاول إنقاذ عائلته. الحزن اعتصر قلب فريدة، ونظرت إلى الأرض وهي تشعر بغصة في حلقها.
وفجأة، سمعت صوت "طق".
التفتت لتجد آدم قد كسر زجاج المقعد الخلفي بضربة واحدة من كوعه القوي، دون أن يلتفت لصوت التحذير. مد يده من الداخل وفتح الباب. الرجل المتحول في الأمام التفت ببطء نحو الصوت، وبدأ يتحرك بعنف محاولاً الوصول إليهما، لكن حزام الأمان كان يربطه بالمقعد.
لم يكن في عيني آدم أي وحشية، بل كان هناك نوع من "الاحترام" أو التفاهم الصامت بين أبناء الفصيلة الواحدة. مد يده ببطء من بين المقاعد، وضغط على زر تشغيل السيارة (Engine Start)؛ لحسن الحظ، كانت المفاتيح الذكية داخل جيب قميص السائق المتوفي، والسيارة دارت بصوت محرك قوي وقور.
التفت آدم إلى فريدة، وأشار لها برأسه نحو المقعد الخلفي.
دمعت عينا فريدة وهي تركب، نظرت إلى ظهر السائق المتحول الذي كان يفصلهما عنه حاجز المقاعد، وقالت بصوت خافت: "آسفة يا عمو.. بس إحنا مضطرين نأخد عربيتك عشان ننقذ حد بنحبه."


جلس آدم في مقعد السائق بعد أن قام بقطع حزام الأمان للرجل ونقله إلى مقعد الراكب المجاور (مشهد كان مرعباً لفريدة، لكن آدم تعامل معه بسلاسة غريبة). المشكلة الآن كانت: هل يعرف الزومبي كيف يقود سيارة؟
أمسك آدم بعجلة القيادة بيدين متصلبتين. نظر إلى الدواسات بالأسفل، ثم نظر إلى فريدة عبر المرآة الداخلية بنظرة تفيض بالحيرة.
رغم الرعب والدموع، لم تستطع فريدة منع نفسها من الابتسامة. "بص يا آدم.. الموضوع بسيط. دي عربية أوتوماتيك. رجلك على الفرامل.. هات الفتيس على حرف الـ D.. وبعدين دوس بنزين بالراحة."
بدأ آدم ينفذ التعليمات ببطء شديد. تحركت السيارة فجأة دفعة واحدة للأمام (نطت) فصرخت فريدة: "بالراحة يا آدم! مش عايزين نموت في حادثة عربية، كفاية الزومبي!"
أصدر آدم همهمة معتذرة، وعدل وضعيته، وبدأ يتحكم في السرعة بشكل أفضل. خرجت السيارة الضخمة إلى طريق صلاح سالم الرئيسي، وهنا تجسدت الكارثة بكل معانيها.
الجحيم على الأرض
طريق صلاح سالم، الذي كان يوماً شريان القاهرة النابض، تحول إلى مقبرة مفتوحة. سحب من الدخان الأسود تتصاعد من بعيد، سيارات إسعاف ومطافئ متفحمة ومقلوبة، وبقايا حواجز عسكرية تابعة للجيش تبدو وكأنها سحقت تحت سيل بشري هائج.
والأسوأ من ذلك كله.. "القطيع".
على بعد مئات الأمتار، كان هناك مئات، ربما آلاف من المتحولين، يمشون في مجموعات ضخمة تتجه بلا هدف وسط الطريق. صوت محرك سيارتهم جذب انتباه الأطراف القريبة من القطيع. بدأت الرؤوس تلتفت نحوهم، وبدأت الأجساد تتحرك باندفاع.
"آدم! زود السرعة!" صرخت فريدة وهي ترى العشرات منهم يركضون نحو السيارة من كل حدب وصوب.
ضغط آدم على دواسة البنزين بقوة. اندفعت السيارة السوداء كالصاروخ، تصطدم بالزومبي الذين حاولوا الاعتراض. كانت الصدمات تحدث أصواتاً مرعبة "بوم.. طاخ" على هيكل السيارة، والزجاج الأمامي تلطخ بالسوائل الداكنة. كانت فريدة تغلق عينيها وتصرخ وتدعو الله أن يخرجوا من هذا المأزق.
وفجأة، انحرفت السيارة بشدة. فتحت فريدة عينيها لتجد أن آدم تفادى باللحظة الأخيرة سيارة نقل كبيرة سدت الطريق، لكن النتيجة كانت أن السيارة صعدت فوق الرصيف واصطدمت بشجرة ضخمة، ليتوقف المحرك تماماً وينطلق "الإيرباج" (الوسائد الهوائية) بصوت مدوٍ.


الصمت حل للحظات، متبوعاً بصوت حشرجة المحرك المحطم. فريدة كانت تبكي من الألم والخوف، رأسها اصطدم بالكرسي أمامها. التفتت برعب لتجد أن مقدمة السيارة بدأت تُحاصر؛ الزومبي الذين كانوا يطاردونهم بدأوا يتجمعون حول السيارة، يضربون الزجاج بأيديهم ووجوههم المرعبة ملاصقة للنوافذ. الزجاج بدأ يتشقق تحت وطأة الضغط المستمر.
التفتت إلى آدم. كان مغمى عليه أو في حالة تيبس، الوسادة الهوائية دفعت رأسه للخلف، والنظارة الشمسية سقطت تماماً لتظهر عيناه الرماديتان اللتان بدا عليهما الإجهاد الشديد، والجرح في كتفه كان ينزف بشكل أكبر.
"آدم! قوم أرجوك! متسبنيش لوحدي!" صرخت فريدة وهي تشد قميصه ببكاء مرير. الخوف من الموت كان مرعباً، لكن الخوف من فقدانه هو، من أن يعود زومبي بلا عقل ويتركها، كان يمزق أحشاءها. "أنت قولت لي إنك مش هتسيبني! قولت لي إحنا فريق!"
مع أول شرخ كبير حدث في زجاج نافذتها، ومع ظهور يد زومبي تحاول التسلل للداخل، انفتحت عينا آدم فجأة.
لم ينظر إلى الزومبي بالخارج. نظر مباشرة إلى فريدة، إلى دموعها، إلى يدها التي تتمسك بقميصه كغريق يتمسك بقشة. في تلك اللحظة من الرعب الخالص، وسط أصوات ضرب الزجاج والصراخ، حدث شيء لم تكن تتوقعه.
امتدت يد آدم ببطء، وتجاوزت كل الحواجز، لتمسك بـيد فريدة المرتعشة وتشد عليها بقوة شديدة.. قوة بشرية دافئة برغم برودة جلده. تلاقت أعينهما، ورأت في عينيه الرماديتين تصميماً انتحارياً.
أصدر آدم زئيراً زلزل جنبات السيارة، وبيد واحدة دفع باب السائق المحطم ليطير ويضرب الزومبي الواقفين بالخارج. خرج بجسده الضخم، ووقف فوق سقف السيارة، ليطلق صرخة دوت في أرجاء صلاح سالم؛  جعلت المئات من الزومبي المحيطين بالسيارة يتوقفون فجأة عن الحركة، ويتراجعون خطوات للخلف بنوع من الخوف والغريزة البدائية.
التفت آدم وهو واقف فوق السقف، ونظر للأسفل نحو فريدة عبر الزجاج الأمامي المهشم، ومد يده لها ليخرجها من وسط الجحيم، وكأنه فارس يرتدي كفناً ودرعاً من رماد.
               


تفاصيل الرواية

التصنيف: Rx7GJoMUGaVG3rZDWszui0NVkRm2 - روايات عربية
الكاتب: admin
الحالة: مستمرة
سنة الإصدار: 2026
اللغة: العربية
مشاهدة: 4.0k

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *