فتحتُ الرواية، قلبتُ صفحاتها
حتى انتصفت، لكن مللاً مفاجئاً اجتاح عقلي؛ فوضعتُ الكتاب جانباً وأغمضتُ عيناي،
أبحث في زوايا ذاكرتي عن ملامح الساحرة. وهنا.. حدث ما لا يمكن لعقلٍ تقبله! شعرتُ
بقشعريرة باردة تسري في أجسادي رغم دفء الطقس، وفجأة، انبعث عطرٌ ناعمٌ في
الأرجاء، كما لو أن كل أزهار الأرض قد فرّغت ما بجعبتها من أسرار دفعةً واحدة.
رائحةٌ نفّاذة تداعب أوتار المشاعر وتُذهب العقل.
ظننتُ في البداية أنه حلم
يقظة، لكن أحلام اليقظة لا تجعل النبض يتسارع بهذه الوتيرة، ولا تجعل الأنامل
ترتعش صدمةً. تشبّعت رئتاي بالعطر، وبينما أنا مغمض العينين، انفجرت الحديقة
بالحياة؛ تعالت أصوات البجعات، وزقزقت العصافير، وسمعتُ حفيف أقدامٍ رقيقة تقترب..
وفي كل خطوة، كان قلبي يتخبّط كطائرٍ محبوس. توقفت الخطوات عند رأسي، وهبّت نسمة
هواء خفيفة جعلت شيئاً ما يتساقط على وجهي. ظننته أوراق شجر، لكنني لم أكن أعلم أن
الذي يغمر ملامحي هو خصلات شعرها البنيّة.
فتحتُ عيناي ببطء، وذُهلتُ حين
أدركتُ أن خيالي قد تجسّد أمامي. كانت خصلات شعرها الطويلة تلامس وجهي، أنعم من
ريش النعام وعبيرها هو ذاته عبير وردتي الراحلة. كانت أشعة الشمس تضرب خصلاتها
فتتلمع كخيوط الذهب في شروقٍ عجيب. وعيناها.. يا لِعينيها الساحرتين! بدتا أكبر
وأعمق، والألوان فيهما تمددت لتبتلع كوني الصغير، والنمش على وجهها بدا كأحجارٍ
كريمة مرصوفة بدقة إلهية.
كنتُ ساكناً، أطفو في البرزخ
بين الحلم واليقظة، حتى تحرّكت شفتاها الكرزيّة، وقالت بنبرةٍ تقطر عذوبة:
هل قاطعتُ نومك.. سيد لا أعلم؟—
سيد 'لا أعلم'؟ من هو هذا
التعيس؟ نعم.. تذكرت، إنه أنا! تباً لغبائي الذي صار لقباً لي على لسانها. لكن
واأسفاه على قلبي أمام صوتها؛ أكاد أعلن الولاء المطلق لكل كلمة تنطق بها، حتى لو
كانت فظة. هل هذه بشريةٌ حقاً؟ أم تُراها كياناً اخترعه خيالي ليعاقبني على وحدتي؟
"ثم..
ثم.. رفعت يدها الرقيقة وأزاحت خصلات شعرها خلف أذنها، في مشهدٍ لانَ له قلبي، أو
لأكون أكثر دقة، لم يعد لي قلبٌ حينها؛ فقد غادر صدري ليدنو من نبضها. كنتُ لا
أزال غارقاً في تفاصيل وجهها وهي تبتسم تلك الابتسامة التي أذابت روحي في المرة
الأولى، وها هي تبتسمها ثانيةً، ولكن لم يبقَ فيّ شيءٌ لم يذب بعد!
هنا، تدخل عقلي ليرمم ما تبقى
من كياني قبل الضياع التام، وأنطق لساني بكلمةٍ ظننتُها محرّمة، خرجت بهمسٍ شاردٍ
في كل شيء ولا شيء في آنٍ واحد.. قلتُ:
ساحرة...—
خرجت الكلمة بصوتٍ سمعته
عيناها قبل أن يدركه قلبها؛ فقد اتسعتا بذهولٍ رُسم على ملامحها من هول ما تجرأت
به شفاهي. أما أنا.. فقد كنتُ في تلك اللحظة ولأول مرة فخوراً بنفسي؛ فلا الفن ولا
الطبيعة منحاني ذاك الشعور بالامتلاء كما فعل اعترافي أمام ملامحها المذهولة. لكن
سرعان ما عاد وعيي للعمل، فأطرقتُ بعينيَّ بعيداً عن عينيها، وأطبقتُ شفاهي قبل أن
تقترف "نعيماً" آخر يُفقدني صوابي.
اعتدلت الفتاة في وقفتها،
ووضعت يديها خلف ظهرها بحركةٍ تجمع بين براءة الأطفال ووقار النبلاء، بينما وقفتُ
أنا برعونةٍ كأن حرباً وشيكة على وشك الاندلاع.. كان عليَّ الاستعداد؛ فالمواجهات
القادمة لن تكون يسيرة على أصحاب القلوب الضعيفة كقلبي.
سيد لا أعلم.. ها قد التقيتك مجدداً بعد وقتٍ طويل. كيف حالك؟—
لم أجب، بقيتُ ساكناً كتمثالٍ
منسيّ.
هل وصلك حساب لوحتي؟ صودف أنني كنتُ أبتاع شيئاً من ذاك المخبز، ورأيتُ
لوحتك هناك— فاشتريتها.. لم أعلم أن المخبز ملكٌ لوالدك، إنه يصنع أصنافاً
لذيذة.
بقيتُ صامتاً، أراقب حركات
وجهها وهي تتحدث.
ما رأيك في طقس اليوم؟ أليس جميلاً وهادئاً؟ ما بك سيد لا أعلم؟ هل
هناك خطبٌ ما؟ هل أنت مريض؟— لِمَ لا تتحدث؟
كانت تتحدث باستمرار، وحواسي
كلها ساجدة في صلاةٍ مع الأرض. حينها اقتربت أكثر، حتى بدا أن الوصول ليدها أسهل
من رفع عينيَّ نحو السماء. تناثر عبيرها حولنا، فتذكرتُ رائحة الوردة التي ذبلت في
غرفتي، فهدأ اضطرابي وارتخت مفاصل جسدي المنهك.. قلتُ بصوتٍ خرج من أعماق روحي.
مـاركـس —
ماذا قلت؟ لم أسمعك جيداً..
سيد لا أعلم؟
—
ماركس.. أدعى ماركس، ولستُ سيد لا أعلم—
ابتسمت إشراقتها الساحرة
وقالت: 'تشرفت بلقائك سيد ماركس.. أدعى توليب.
مدّت يدها لتصافحني، لكن يدي
تجمدت مكانها؛ هل يحق لي فعلاً لمس يمينِ ملاك؟ أليست جريمة أن أحادث كائناً يفيض
بكل هذا الضياء؟ بينما كنتُ غارقاً في تقديس اللحظة، اتجهت أنظارها نحو الكتاب
الملقى على العشب، فانحنت لتلتقطه، بينما كنتُ أوبخ غبائي الذي ضيع فرصة لمس كفها
الدافئ.
قلّبت صفحات الرواية بتعجب
وقالت:
هل هذا الكتاب لك؟ هل تقرأ أيضاً؟ هل
أنت من عشاق الروايات؟ هل تريد أن نقرأها معاً؟—
اندفاعها العذب جعل التردد
يساورني..
نعم، أقرأ.. أمتلك مكتبة في
غرفتي مليئة بالكتب الغريبة. —
اقتربت توليب أكثر، تحتضن
الكتاب بين يديها، وعيناها تبرقان بشدة تضاهي نجوم أصفى الليالي. وقالت بفضول
طفولي: هل تقرأ لي من كتابك هذا؟
حـ.. حسناً، أجل، بالطبع..
يسرني ذلك، سأكون سعيداً بقراءته لكِ.. أحبكِ —
تجمد الزمن. احمرّت توليب
خجلاً من كلامي الذي انزلق سهواً كقطرة ندى، فتداركتُ الأمر سريعاً والارتباك
يكويني:
لا.. لا.. قصدتُ أنني أحب القراءة، وسأحب قراءة
الرواية لكِ.
—
هنا انفجرت توليب بضحكةٍ أيقظت
سكون الحديقة صخباً، بينما سكن الصخب داخل قلبي. يا لهذا التناقض! كيف يقع المرء
في غرام شخصٍ بالكاد عرفه؟ هل أنا غبي؟ أم أنني وجدتُ أخيراً الشخص الذي أريد
الفناء أمام عينيه للأبد؟
حسناً لا عليك ماركس، سأناديك
مارك من الآن وصاعداً.. هل تريد أن نذهب إلى مكاني المفضل؟ —
بالطبع.
—
سارت أمامي، وبقيتُ أسير خلفها
أتأمل الجمال في أنقى صوره. كان شعرها طويلاً للحد الذي يسمح لفراشات العالم كلها
بالمكوث عليه، وكلما هبّت نسمة، تراقصت خصلاتها في الهواء مطلقةً ذاك العبير الذي
استوطن رئتي، ليخبرني أن الرحلة قد بدأت للتو.
"ثوبها
هذا.. هل استمدت جمالها منه؟ أم أن ذاك الثوب صار جميلاً فقط لأنه يلامس جسدها؟
كانت الأفكار تعصف برأسي، والمشاعر تعصر قلبي كعاصفةٍ لا تهدأ، وما هي إلا لحظات
حتى وصلنا إلى مكان جلوسها المعتاد. صُعقتُ حين أدركتُ أنه لا يبعد عن مكاني سوى
خطوات؛ كيف كنتُ أحمقاً لهذه الدرجة كي لا ألاحظ وجودها القريب؟
كان هناك بساطٌ فاخر مفروشٌ
بعناية على العشب، تتوسطه سلةٌ امتلأت بحبات الفراولة الحمراء حتى كادت تفيض من
جوانبها، كأنها قلوبٌ صغيرة تنبض باللون. بجانب البساط، وقفت فتاةٌ بهدوء، بدت في
ملامحها ملامح الخدم، لكن توليب بادرتني قائلة:
هذه مجدولين، صديقتي المقربة..
لا أحب وصفها بالخادمة، فهي أقرب الأرواح إليّ.ز —
انحنت مجدولين بأدبٍ جمّ،
وقالت بنبرةٍ حملت شقاوةً لم أتوقعها:
أهلاً بك.. سيد لا أعلم. —
انفجرت توليب ضاحكةً بخفة،
وتمايل جسدها مع الضحك لدرجة أن شعرها الطويل تراقص حولها كأمواج البحر، ثم قالت
وهي تحاول استعادة أنفاسها:
يُدعى مارك يا مجدولين.. مارك وليس لا أعلم. —
اعتذرت مجدولين بابتسامة خجولة
قائلة:
أعذرني سيد مارك على فظاظتي، فقد كانت السيدة توليب طوال
الأيام الماضية تدندن باسم "لا أعلم" — في كل زاوية من زوايا القصر، حتى ظننتُه تعويذةً سحرية أو اسماً
لبطلٍ من أساطيرها القديمة.
تجمّد الصمت لبرهة.. شعرتُ
بحرارةٍ تجتاح وجهي، بينما ارتبكت توليب قليلاً وحاولت إشغال نفسها بترتيب حبات
الفراولة. هل كانت تدندن باسمي؟ هل كنتُ حاضراً في غيابها كما كانت هي تسكن
تفكيري؟ نظرتُ إلى السماء، ثم إلى عينيها، وأدركتُ أن "الخيبة" التي
عشتها لـ 22 يوماً كانت ثمناً زهيداً مقابل هذه اللحظة.
جلست توليب، وتبعتها مجدولين
بكل تواضع، بينما بقيتُ واقفاُ في مكاني كجنديٍ ينتظر إشارة الانطلاق من ساحرته.
لم يطل انتظاري؛ فقد أشارت ببنصرها الرقيق لأجلس بجانبها. تحركت ساقيَّ قبل أن
يأمرهما عقلي، ووجدتُني على مقربةٍ منها، حيث الصمت ثقيلٌ لدرجة أنني خشيتُ أن يشي
ضجيج قلبي بهدوء المكان. حاولتُ تجنب النظر المباشر لملامحها كي لا أفقد ما تبقى
من ثباتي، لكن جاذبيتها كانت أقوى من كل دفاعاتي.
مدّت توليب يدها والتقطت حبة
فراولة تتربع على قمة السلة. كانت تلك المرة الأولى التي أرى فيها أناملاً بهذا
البهاء، وكأنها نُحتت من عاجٍ مقدس. رفعت اليد الحبة نحو ثغرها وقضمت جزءاً منها..
وفي تلك اللحظة، شعرتُ بحرارةٍ تجتاح أوردتي كافيةً لإحراق كياني بالكامل. ارتعشت
خلايا جسدي وكأنني أشاهد طقساً سرياً لا يُسمح لبشرٍ برؤيته.
كنتُ أراقبها بطرف عيني عبر
خصلات شعرها المنسدلة؛ رأيتُ كيف قضمت شفاها الكرزية تلك الفاكهة، وكيف اصطبغ ذاك
الثغر الزهري بحمرةٍ قانية جعلتني أنسى كل الألوان التي عرفتها في لوحاتي. تحرك
فكّها بكل رقة، بينما كنتُ أغرق في تفاصيلها، متمنياً لو أن مخزونها من الفراولة
لا ينفد أبداً، ولو أن الزمان يتجمد عند هذه اللحظة العفوية.
ابتلعتُ ريقي لعذوبة المشهد؛
كانت تبدو كطفلةٍ بالغة، أو ساحرةٍ صغيرة تعبث بمشاعري دون أن تدري. تأملتُ النمش
المنثور على وجهها، وتذكرتُ سطراً قرأته يوماً يقول إن 'النمش هو آثار قبلاتٍ
تائهة من زمنٍ غابر...
أرجو أن أكون صاحب تلك القبلات—
قلتها في سري وأنا أتأمل تلك
النجوم المبعثرة على وجنتيها. أما عيناها؟ فقد أيقنتُ أن النجوم التي تغيب نهاراً
لا ترحل، بل تهرب لتسكن في حدقتيها وتبرق بلا كلل. كدتُ أستسلم تماماً لهذا السحر
لولا سعال مجدولين الذي أيقظني من غفلتي وأعادني لواقعي الوقور. شعرت توليب بلطافة
الموقف وقالت:
هذه الفاكهة جمعتها من حديقة قصر والدي، أعشق الفراولة كثيراً.. هل
تحبها أنت أيضاً مارك؟—
في داخلي، كان قلبي يشتعل؛ لا
أكترث لكل ثمار الأرض، فكل جوعي كان منصباً على الكيان الذي أمامي، لكنني أجبتُ
بهدوء:
نعم أحبها، فهي فاكهة أمي
المفضلة. —
مذهل! ذوق والدتك مثل ذوقي..
من المؤكد أننا سنتوافق جيداً —
غصّ حلقي وأنا أقول:
أمي قد رحلت حينما وُلدت.—
اتسعت عيناها بأسى، وأحنت
رأسها بكل رقة وقالت: 'آسفة، لم أقصد أن أذكرك بوالدتك الراحلة
لا عليكِ سيدة توليب، فأنا لا
أتذكرها.
ساد صمتٌ عميق، فكسرتُه بتقديم
عرضٍ لعلّه ينقذ الموقف:
ما رأيكِ لو قرأتُ لكِ قسماً من الكتاب
الذي جلبته معي؟—
أشرق وجهها بضياءٍ فاق شروق
الشمس دافئاً:
بالطبع، بالطبع! اقرأ لي من فضلك.—
فتحتُ الكتاب على فصلٍ يحمل
عنواناً واحداً اختصره كوني في تلك اللحظة: 'الحب'. سكنت توليب بينما استمرت في
تناول فاكهتها، وبدأتُ أنا في إخراج الكلمات من بين شفاهي:
'أن تكون
محبوباً فهو الحظ، ولكن أن تعرف كيف تُحب فهو الفن.. وأنا أتقنتُ هذا الفن، لكن
الحظ لم يكن حليفي دوماً. أيُّ شخصٍ يمكنه أن يحب الوردة، ولكن الأمر يحتاج شجاعةً
كبيرة لتحب أوراقها الخضراء. الحب أمرٌ غريب؛ أن تمتلك آلاف الأسباب لتحب وردةً
عشوائية، ولكنك لا تجد سبباً واحداً يفسر لِمَ تعشق هذا الشخص الذي يسرق أفكارك
كلصٍ لا يعرف الرحمة.. ستفضل أن تقضي وقتك معه ولو كان رحيله سيؤذيك لاحقاً. غريبٌ
هو هذا القلب؛ ملكنا، لكننا لا نملك التحكم في عواصفه. ستلتقي يوماً بشخصٍ يفقدك
صوابك بمجرد رؤيته يقضم فاكهة عادية، وستندلع في داخلك حربٌ عظمى.. ستقع في حبه
لدرجة أنك لو زرعتَ وردةً في كل مرة تفكر فيها به، لغدا هذا العالم الفسيح..
حديقةً صغيرة لا تتسع لزفرات شوقك..
...لو كان
الشخص الذي تحبّه شمساً حارقة، لتأمّلت سطوعه حتى تحترق عيناك؛ ليكون آخر عهدك
بالبصر هو ضياء ذاك الحبيب. ولو وجّه نحو صدرك رمحاً، لبادرتَ بقلبك ليكون الغمد
لرمحه. غريبٌ هو الحب؛ كيف ينفينا من عالمنا هذا لنحيا في ملكوتٍ لا يسكنه سوانا.
لا تحتر في مشاعرك، اتبع حدسك دائماً، فالعالم أجمع قد يخطئ، أما الحدث فلا يخون
صاحبه قط.
استرسلتُ في القراءة، وصوتي
يرتجف بنبرةٍ لم تكن للنص، بل كانت لروحي: 'يمكنهم سلب فني، حريتي، أطرافي، وحتى
بصري ولساني.. لكنهم لن يستطيعوا انتزاع فكرةٍ واحدة تخص ذاك الشخص من رأسي. وكيف
نخبره؟ هل بالشعر أم بالرسم أم بوردةٍ تشبه وجهه؟ المهم ألا تظنَّ للحظة أن مشاعري
غير كافية، فهي قادرة على إغراق هذا الكون الفسيح بفيضٍ من الوجد. لا أريدها أن
تظن أنني متردد؛ فلساني وأصابعي أعجز من أن تحتويهما كلمات قواميس الأرض. لن يكفي
القمر تشبيهاً لوجهها، وتكفي ورود العالم تشبيهاً لعبيرها، وتكفي نغمات الوجود
تشبيهاً لصوتها.
توقفتُ قليلاً، ثم قرأت السطور
الأخيرة بتمهلٍ قاتل:
'سأكون فارساً يحميها، وطبيباً يداويها، وشاعراً يتغنج
بها، ورساماً يخلد جمالها، ومراقباً يفني عمره في تأمل ملامحها. والآن.. يا من
تقرأ كلماتي بتمعن، فكر جيداً في ذاك الشخص الذي خطف قلبك، ولا تفعل شيئاً سوى أن
تتأمل ملامحه في كل فرصة تلوح أمامك.
نهاية الفصل....
أغلقتُ الكتاب ببطء، ورفعتُ
رأسي لأرى أثر كلماتي على السامعين. كانت توليب تنظر إليّ بلطفٍ مذهل، وحبة
الفراولة لا تزال عالقة بين شفتيها الكرزيتين كأنها تجمدت في اللحظة التي تجمد
فيها الزمن. كانت وجنتاها تتوهجان بلونٍ ورديٍ زاهٍ، وشعرها المتموج يتلألأ تحت
خيوط الغروب الذهبية. لكن ما أربك حساباتي حقاً هو عيناها؛ تذكرتُ حينها أسطورةً
تقول إن 'العيون كانت نجوماً فضلت أن تسكن الوجوه لتصبح حارسة للأرواح، لذا فهي
تتلألأ بشدة حينما تكون الروح.. عاشقة.
خفق قلبي بعنف؛ هل هي تشعر بما
أشعر به؟ كان احمرار وجنتيها يزداد كلما أطلتُ النظر، وكأنني أرسم على وجهها
بريشتي لا بعينيّ. وفجأة، قطعت مجدولين هذا السحر بزمجرةٍ أرعبت توليب، فسقطت حبة
الفراولة من بين شفتيها وتدحرجت على الأرض.
سيدة توليب! لقد تأخر الوقت،
علينا العودة قبل أن تنهرنا السيدة ماريا مجدداً. —
نهضت توليب مرتبكة، وتبعتها
مجدولين التي بدأت بوضب البساط وسلة الفراولة الفارغة. بدأتا بالابتعاد، لكن توليب
كانت تلتفت خلفها باستمرار، ترقبني بعينيها بينما شعرها البني يتطاير في الهواء
كوداعٍ صامت. ما هي إلا لحظات حتى اختفتا بين ظلال الأشجار، وبقيتُ أنا وحدي أحمل
كتابي وقلبي المثقل بالأسئلة.
أردتُ أن تسير الأمور بهدوء،
فروحي لم تكن تقوى على المزيد من التفكير في تلك الشفاه والوجنات. وحين هممتُ
بالرحيل، وقعت عيناي عليها.. هناك، عند طرف العشب، كانت حبة الفراولة التي سقطت من
فمها. انحنيتُ لألتقطها، لم تكن مجرد فاكهة، بل كانت أثراً مقدساً يحمل ملامح
قضمتها.
شجرة العطر ولقاء
"توليب" المتجدد انحنيتُ لألتقطها.. ولكن عجباً لأمر شفاهها، كيف تحمل
كل هذه الحرارة داخلها؟ كانت الفراولة لا تزال تحتفظ بحرارة شفتيها، لكن أكثر ما
كان يُفقدني صوابي رغم اختفائها هو رائحة عطرها النفّاذ الذي لا يزال ينبعثُ في
الهواء. عجباً لأمر "توليب".. كيف لسيدة مثلها أن تكون بهذا الجمال
واللطف؟ هي فعلاً ملاكٌ يسير بين البشر, ومن المحال أن تكون إنسيّة عادية.
لم أعلم ما يجب عليّ أن أفعل
بها، كنتُ مرتبكاً وأنا أحمل هذا الكنز الكبير بين يدي. فكرتُ كثيراً فيما يجب
عليّ أن أفعله بها،
وبعد لحظات خطرت لي هذه الفكرة الرائعة: أن
أزرعها في
هذه الحديقة، لعلَّها تصبح
شجرة مليئة برائحتها. لم أكن أريد أن أرى حبات الفواكه في الشجرة، أردتُ أن ينتشر
عطرها في الشجرة كلها، وأن تصبح الملاك جزءاً من هذه الحديقة. وبالفعل، جلستُ على
ركبتي وحفرتُ حفرة بالكاد تكفي لتستوعب ما كان سيوضع داخلها..
تباً.. حتى هذه الحفرة
الترابية تملك حظاً سعيداً! وبعد لحظاتٍ أخرى كنتُ قد دفنتها وسقيتها بالماء، ثم
انطلقتُ بخطى مترددة أنظر دائماً نحو الحفرة، أراقب إن ظهرت الشجرة أم بعد؛ كان
غبائي في ذروته حينها، فالحب يجعل الشخص غبياً للغاية.
قصة عذراء الضّريح – “أثرٌ على رصيفِ الحديقة: تعويذةُ سيد لا أعلم”
4.0k مشاهدة
1 ساعة و 41 دقيقة
نبذه عن الرواية
جاري التحميل…
“أثرٌ على رصيفِ الحديقة: تعويذةُ سيد لا أعلم”
………
تفاصيل الرواية
التصنيف:
JdS5x7PuhtVu50WZ9t5FyhcyNwC3 - روايات عربية
الكاتب:
admin
الحالة:
مستمرة
سنة الإصدار:
2026
اللغة:
العربية
مشاهدة:
4.0k
اترك تعليقاً