عائلات الجنوب | الفصل الأول عمل حصري 8.4

عائلات الجنوب | الفصل الأول

4.0k مشاهدة 1 ساعة و 41 دقيقة
ابدأ القراءة

نبذه عن الرواية




جاري التحميل…

العائلات الحاكمة


يرتفع قصر عائلة “الهوّاري” كحصن عسكري متبلد المشاعر. هذه العائلة لم تكتفِ بالسيطرة على السلاح، بل تفاخرت دائماً بكثرة الإنجاب لتكوين عزوة لا تُقهر. كبيرهم الراحل ترك خلفه خمسة عشر ابناً وابنة من ثلاث زيجات مختلفة. قصرهم لا يهدأ، لكنه لا يعرف الضحك. الرجال هنا هم سادة المكان، والنساء مجرد أطياف تتحرك في صمت.

تحميل الفصول…


المؤلف

                       في هذا الوادي المغلق، لا تُقرأ الفاتحة على الموتى إلا بعد أن يُغسل الدم بالدم. الأرض هنا لا تعترف بالضعفاء، والمجالس لا تتسع إلا لمن يملك القوة لفرض كلمته. قُسمت هذه البقعة بين ست قلاع بشرية، ست عائلات تناسلت وتكاثرت حتى صار لكل عائلة جيشها الخاص من الأبناء والبنات، دماء تجري في عروق العشرات، يحملون نفس الاسم، لكنهم يحملون في قلوبهم طموحات وأحقاداً تكفي لإحراق الصعيد بأكمله.

في قلب الأراضي القاحلة، يرتفع قصر عائلة "الهوّاري" كحصن عسكري متبلد المشاعر. هذه العائلة لم تكتفِ بالسيطرة على السلاح، بل تفاخرت دائماً بكثرة الإنجاب لتكوين عزوة لا تُقهر. كبيرهم الراحل ترك خلفه خمسة عشر ابناً وابنة من ثلاث زيجات مختلفة. قصرهم لا يهدأ، لكنه لا يعرف الضحك. الرجال هنا هم سادة المكان، والنساء مجرد أطياف تتحرك في صمت.

على رأس هذا الجيش يقف "جَسَّار الهوّاري"، الابن الأكبر والزعيم الحالي. ملامحه منقوشة بقسوة الصحراء، نظرة واحدة من عينيه السوداوين تكفي لإخراس أعتى الرجال. لا يبتسم، ولا يغفر، ويدير عائلته بيد من حديد ونار. إلى جانبه يقف شقيقه "عسّاف"، كتلة من الغضب المتفجر والتهور المفرط. عساف هو ذراع البطش، يفضل إنهاء أي خلاف بسحب زناد بندقيته قبل أن يستمع للطرف الآخر. وعلى النقيض منهما يأتي "بدران"، الأخ الثالث، هادئ كالسم، قليل الكلام، لكنه العقل المدبر لصفقات السلاح والمشرف على تسليح رجال العائلة.

خلف هذا الجدار الذكوري القاسي، تقبع تسع شقيقات، كُتب عليهن العيش في الظل. منهن "نوارة"، الفتاة التي تحمل في قلبها غلاً دفيناً لكل رجال العائلة، تراقب قسوتهم بصمت وتنتظر اللحظة التي تنكسر فيها شوكتهم. وهناك "زينب"، التي أُجبرت على الزواج من رجل يكبرها بثلاثين عاماً فقط لضمان ولاء إحدى العائلات الصغيرة، تعيش كجارية في ثياب سيدة، تجسد مأساة نساء الهواري اللاتي يُبَعن ويُشترين في أسواق التحالفات.

على الجانب الآخر من النهر، تقف إمبراطورية "العامري"، أسياد التجارة والمال. قصرهم يضج بالحياة الفارهة، لكنه يخفي تحته بركاناً من الخلافات والمكائد. أنجب كبيرهم، "سلطان العامري"، أربعة عشر ابناً وابنة، بنوا ثروة طائلة وجعلوا من اسمهم عملة نادرة في الأسواق. سلطان رجل تجاوز السبعين، لكن عقله يزن بلداً بأكملها، يدير أبناءه كما يدير تجارته، يعطي لكل واحد منهم دوراً محدداً ولا يسمح لأحد بتجاوزه.

"زينهم العامري" هو الابن الأكبر وواجهة العائلة الدبلوماسية. رجل أنيق، معسول اللسان، يدير صفقات بالملايين بابتسامة هادئة، لكنه يخفي طمعاً لانتزاع الزعامة من والده قبل الأوان. بجواره يبرز "فارس"، الشاب المندفع الذي يحمل راية الثأر القديم ضد الهواري. فارس يتدرب ليل نهار، يجمع حوله شباب العائلة ويحرضهم على كسر حالة الهدوء الزائف.

وسط هؤلاء الذكور، تبرز "رحاب العامري"، ابنة العشرين ربيعاً. فتاة متمردة، عنيدة، ترفض الانصياع لقواعد القصر. تقرأ الكتب وتجادل إخوتها، وتعرف جيداً أن ثرائها لن يحميها من مصير محتوم في سوق الزواج السياسي. بالإضافة إلى رحاب، هناك ست شقيقات أخريات، انغمسن في حياة الترف واكتفين بالتفاخر بالمجوهرات الحرير، غافلات عن النار التي توشك أن تلتهم قصرهم بمن فيه.

بعيداً عن ضجيج السلاح وبريق المال، تمتد مزارع عائلة "رضوان"، أخصب بقاع الوادي وأكثرها شقاءً. الأب "رضوان" يرقد في فراشه يصارع مرضاً غامضاً أكل جسده. مأساة هذه العائلة لم تكن في الفقر، بل في العزوة. أنجب رضوان اثني عشر ابناً، إحدى عشرة فتاة، وولد واحد فقط جاء بعد سنوات طويلة من الدعاء والنذور.

في مجتمع يزن الرجل بندقيته، كانت ولادة البنات المتتالية لعنة تنهش في كرامة الأب. "قمر رضوان"، الابنة الكبرى، وجدت نفسها مضطرة لخلع رداء الأنوثة وارتداء ثوب المسؤولية. صلبة، حكيمة، وذات عينين تحملان حزناً دهرياً. تدير العمال في الأراضي وتتصدى لطمع العائلات المجاورة. تساندها "شمس"، الأخت الثانية التي تولت حسابات المحاصيل ومواعيد الري بعقلية فذة تفوق أعتى المزارعين. أما "ليل"، الصغرى والمتمردة، فهي تقضي وقتها في استكشاف القصر القديم وسراديبه، لا تهتم بالمزارع بل تبحث عن تاريخ العائلة الضائع.

وسط جيش النساء هذا، يقف "يحيى"، الولد الوحيد، طفل في العاشرة من عمره، هزيل البنية، خائف دائماً من نظرات الشفقة والتربص التي تلاحقه. هو الوريث الشرعي، لكنه أضعف من أن يحمل فأساً، فضلاً عن أن يحمل بندقية. العائلات الأخرى تنظر إلى يحيى كأنه عقبة مؤقتة، تنتظر موته أو موت أبيه لتنقض على الأراضي الشاسعة وتمزقها كالضباع الجائعة.

وفي قلب أفران الصهر وسوق الذهب، تسيطر عائلة "الزين". ثلاثة عشر شقيقاً وشقيقة عاشوا طوال عمرهم تحت ظل أبيهم القوي، حتى ليلة اغتياله الغامضة. توقع الجميع أن تنهار العائلة أو تشتعل حرب طاحنة بين الإخوة الذكور على الزعامة. لكن ما حدث زلزل الوادي بأكمله. "غالية الزين"، الابنة الوسطى، لم تكتفِ بالبكاء على أبيها، بل دخلت مجلس العزاء، ارتدت عباءته السوداء، ووضعت خنجره في حزامها، معلنة نفسها كبيرة العائلة في وجه إخوتها الذكور قبل الأغراب.

غالية امرأة كأنها صُنعت من الذهب الخالص؛ تلمع بشدة، لكنها لا تنثني أبداً. ذكاؤها الحاد وقدرتها على قراءة نقاط ضعف الآخرين جعلاها تسيطر على خزائن العائلة. شقيقها الأكبر "عمران" يغلي من الداخل، يرى في زعامة أخته إهانة لرجولته، ويخطط في الخفاء لإسقاطها واسترداد ما يعتبره حقه الشرعي. بينما اختار "صالح"، الأخ الأصغر وصاحب الموهبة الفذة في صياغة المعادن، أن يقف في صف غالية، يحمي ظهرها ويثق في حكمتها. بقية الإخوة والأخوات انقسموا في صمت، منهم من يراقب بخوف، ومنهم من ينتظر لحظة السقوط.

وإذا كانت القوة في السلاح والمال والذهب، فإن عائلة "الشاذلي" تملك ما هو أدهى: المكر. هم أصحاب المجالس العرفية والقضاة غير المتوجين. يقودهم "الشيخ عبد القادر الشاذلي"، رجل يكسو وجهه الوقار وتتدلى من يده مسبحة لا تفارقه، لكنه في الحقيقة يدير رقعة شطرنج دامية. أنجب عبد القادر خمسة عشر ابناً وابنة، رباهم على الدهاء وتطويع الكلمات.

"موسى الشاذلي"، الابن الأبرز، وجه مبتسم وعقل شيطاني. يتحرك بين العائلات كحمامة سلام، بينما يحمل في طيات ثيابه بذور الفتنة. يعرف كل الأسرار ويستغلها في الوقت المناسب. "هارون"، شقيقه، يتولى تنفيذ أحكام المجلس العرفي، رجل بلا رحمة يختبئ خلف ستار تطبيق القانون. أما بنات الشاذلي، فهن أدوات ناعمة تُزرع في بيوت العائلات الأخرى عبر الزيجات، ينقلن الأخبار ويوجهن قرارات أزواجهن بما يخدم مصالح آبائهن وإخوتهن. عائلة تعيش كالطفيليات، تتغذى على صراعات الآخرين وتضمن أن لا أحد ينتصر انتصاراً كاملاً، لتبقى الحاجة إليهم قائمة إلى الأبد.

بعيداً عن القصور ومزارع الوادي، وفي أعلى القمم الصخرية الوعرة، تسكن عائلة "دياب". لا يعترفون بحكومة ولا بقانون ولا بتقاليد العائلات الخمس. هم سادة الجبل، وتجار الموت، والمهربون الذين يقطعون الطرقات. أبناء هذه العائلة أربعة عشر ذئباً بشرياً، نشأوا على القسوة الخالصة.

يقودهم "ذئب دياب"، رجل لا يُعرف له اسم حقيقي سوى لقبه. وجهه مليء بندبات المعارك، وقلبه أصلب من صخور الجبل. لا ينزل إلى الوادي إلا لفرض الإتاوات أو خطف من يتجرأ على تحديه. شقيقه "صقر" هو القناص الماهر، عيناه لا تخطئان الهدف، يقضي أيامه ولياليه في مراقبة تحركات القوافل التجارية من مرصده العالي. وسط هذا القطيع المتوحش، توجد "غجرية دياب"، الأخت التي ترفض أن تكون امرأة عادية. تركب الخيل بلا سرج، وتحمل السلاح وتشارك إخوتها في عمليات التهريب. ترفض الزواج وتعتبر رجال الوادي مجرد عبيد لتقاليدهم، بينما ترى نفسها حرة كصقر كاسر.

ليل الوادي طويل، وكل بيت من بيوت العائلات الست ينام وإحدى عينيه مفتوحة. الجيل القديم يتمسك ببقايا قوانين بالية، والجيل الجديد يغلي بطاقة التمرد والرغبة في الاستحواذ. الأسلحة مجهزة، والمؤامرات تُحاك في الغرف المغلقة، والأرض تنتظر القطرة الأولى من الدماء لتعلن بداية الطوفان.
                       


تفاصيل الرواية

التصنيف: uQOUuA44PMDaJun3vhMf - روايات عربية
الكاتب: admin
الحالة: مستمرة
سنة الإصدار: 2026
اللغة: العربية
مشاهدة: 4.0k

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *