رواية ذئاب لا تعرف الحب الفصل الثاني 2 – بقلم منال محمد سالم
ركل ذلك الطفل الصغير – ذو السنوات الإحدى عشر – الكرة بقدمـــه لتهرب منه وتختبيء أسفل الفراش الموجود بغرفة والده ، فوثب عالياً في براءة ، ثم استدار برأسه ليبتسم إلى مربيته التي ترعـــاه أثناء غياب والديه ، ومن ثم ركض خلفها وهو يضحك في عفوية ..
دلف الطفل إلى داخل غرفة والده ، بينما بقيت المربية في الخــارج تتغنج بجسدها الرشيق أمام المرآة الموجودة بالرواق ..
انحنى ذلك الصغير بجسده الضئيل بجوار الفراش بعد أن أسند كفه على طرفه ، ثم جثى على ركبتيه و مـــال برأسه أكثر ليبحث عن مكان كرته ، وبالفعل وجدها قابعة أسفل الفراش ، لذا زحف بكامل جسده تحت الفراش ليمسك بها ..
ثم سمع هو صوت همهمات تأتي من الخـــارج ، وصوت صراخ مكتوم، فانتفض فزعاً ، وبلل ملابسه رغماً عنه ، وتملكته ارتجافة قوية .. وحـــاول ألا يتحرك من مكانه …
بدأ الصوت يقترب تدريجياً منه ، وعينيه الصغيرة تتحركان وترمشان بسرعة رهيبة …
لمح الصغير بطرف عينيه من أسفل تلك الملاءة التي تتدلى من الفراش أقداماً لرجلين ، وكذلك قدمي إمرأة معهما ولكنها على ما يبدو تحاول الابتعاد عنهما ..
كان صوت ذلك الرجل مألوفاً بالنسبة له ، وصــوت صراخ المرأة يعهده جيداً ..
استطاع هو أن يتعرف على الاثنين من صوتهما .. نعم إنها مربيته ، وأبيه .. ولكنه لم يألف صوت الرجل الأخـــر
لم يفهم هذا الصغير ما الذي يحدث مع المربية، ولكن يبدو أنها في خطــر محدق ، وعاجزة عن الهرب ، ووالده متورط في أذيتها ..
اهتز الفراش بعنف من أعلاه ، وسمع أصوات غريبة تأوهــات من الصراخ المكتوم ممزوجة بهمهمات خافتة للغاية ، ثم إزدادت الاهتزازات بشدة فإعتقد أن الفراش سيسقط فوق رأسه ، لذا صرخ الصغير بصوت مبحوح ، فتوقفت الاهتزازات فجـــأة ، ورأى تلك الأقدام الرجالية تقترب منه بهدوء مخيف ، ثم رأى رأس ذلك الغريب تنكشف من أسفل الملاءة المتدلية على الفراش ، وحدق بعينين متسعتين في رعب حقيقي في عينيه الشرستين التي لم ترمشا لثانية
خفق قلب الصغير بقوة ، وصـــرخ تلك المرة عالياً ، ولكنه لم يجرؤ على التحرك من مكانه ، وفجــــأة وجد أذرعاً تمتد إليه من الناحية الأخـــرى لتجذبه من أسفل الفراش وتحمله عالياً في الهواء من خصره …
أغمـــض الصغير عينيه كي لا يرى نظرات الغريب المخيفة ، وظل يركل بقدميه في الهواء ، ويتلوى كالدودة الصغيرة ليتحرر من تلك الأذرع القابضة عليه ، ثم سمع صوت والده يهمس له في أذنه بـ …
-مهاب بصرامة شديدة : بتعمل ايه عندك ؟
عجز أوس عن الرد على والده ، وظل مغمضاً لعينيه ، ولم يكف عن الركل بقدميه ، في حين اقترب منه ذلك الغريب الذي اخترقت رائحه سجائره الكريهة أنفه بقوة و…
-ممدوح مبتسماً ، وبنبرة شيطانية : الواد باينه عاوز يطلع خلبوص زي أبوه ، سيبهولي
فتح أوس عينيه فوجد الطبيب ممدوح محدقاً فيه بعينيه الشريرتين ، فارتعدت فرائصه أكثر ، ثم لمح بطرف عينه مربيته وهي شبه عارية على الفراش ومقيدة من ذراعيها ، وعلى وجهها علامات رضا وسعادة غريبة ، فجحظت عينيه أكثر في رعــــب …
-مهاب بحدة : ده لازم يتعلم الأدب ، ازاي يدخل أوضتي وأنا مش فيها ، وانتي كنتي فين ؟؟؟؟
-المربية بنعومة : انت مادنتيش فرصة أقولك إنه موجود في السكن
-مهاب بحنق : يا سلام ، بالبساطة دي ، طب أهوو شاف كل حاجة ، إيه العمل بقى !!
أشاحت المربية بوجهها ، وتمطعت بجسدها على الفراش قبل أن تسحب الملاءة لتغطي بها جسدها المتعري …
بينما ارتسمت ابتسامة لئيمة على وجه ممدوح ، وحدج أوس بنظرات خبيثة ذات مغزى و…
-ممدوح بنبرة تشبه فحيح الأفعى : هاتهولي وأنا هاتصرف معاه
-مهاب بنبرة غاضبة ، ونظرات محتقنة : هاتعمله ايه ؟؟ ده ممكن يفضحنا ويقول لتهاني على اللي بيحصل هنا
-ممدوح بثقة زائدة : اطمن ، مش هاتعرف حاجة ، دي مراتي وأنا هاسيطر عليها
-مهاب بنبرة متصلبة : لأ ، أنا عـــارف ابني ، هايقولها ، وهي مش هاتسكت ، ويمكن تنفذ تهديدها معايا وتقول لناريمان
-ممدوح بنبرة عازمة ، ونظرات أكثر ضيقاً : أنا مش هاخليه يفتح بؤه تاني
-مهاب بنبرة محذرة : اياك تعمل في ابني حاجة
-ممدوح بهدوء مخيف : ماتخفش ، أنا بس هاعرف إزاي اسكته
ثم مد يده في اتجاه مهاب ، وأخــــذ الصغير أوس من ذراعيه ، وقام بحمله وأحكم قبضتيه عليه حتى لا يفلت منه بسبب مقاومته الزائدة ، ودلف به إلى خــــارج الغرفة …
ظل أوس يصرخ بفزع شديد كي يتركه ممدوح ويبتعد عنه ، ولكنه لم يعبء به ، واتجه به إلى غرفة نومه الصغيرة ..
أغلق ممدوح باب الغرفة عليهما بعد أن ألقى بالصغير – الذي لم يكف عن الصراخ – على الفراش ، ثم حدجه بنظرات بثت الرعب في نفس أوس و..
-ممدوح بنبرة مخيفة : اخرس خالص ، ماسمعش حسك
-أوس بصوت عالي ومرتعد : ماما .. ماما ، أنا عاوز ماما ، أنا هاقولها عليك ، يا ماما تعالي
-ممدوح بنبرة قوية ، ونظرات مرعبة : بــــس ، مافيش ماما هنا ..!!
ثم اقترب منه ، وأمسك به من ياقته ، وحمله عالياً في الهواء ، ونظر مباشرة في عينيه ، و…
-ممدوح بنبرة متصلبة تحمل التهديد ، ونظرات أكثر ضيقاً : لو فتحت بؤك يا أوس بأي حاجة شوفتها في أوضة أبوك أنا هاعمل فيك زي ما أبوك بيعمل في الخدامة فوق
-أوس بصراخ طفولي : ماما .. أنا هاقولها عليك ، عـــااا
-ممدوح بنبرة مرعبة : مش هاتقدر ، وهاقول عليك كداب
-أوس بنبرة طفولية مختنقة : الناني ( الدادة ) هتقول لماما
-ممدوح مبتسماً في استخفاف : الناني مبسوطة ومش هاتقول حاجة
-أوس بنبرة مذعورة : لأ .. ده .. ده كدب
-ممدوح بخبث : واضح كده إنك متعرفش عمك ممدوح كويس ، والظاهر إنك عاوز تشوف أنا هاعمل فيك ايه ..!
بلل الصغير أوس بنطاله مجدداً من الفزع ، وارتعش أكثر وهو يرى تهديدات ممدوح الصريحة له ، في حين ارتسمت ابتسامة شيطانية على فم الأخير وهو يرى تأثيره الجلي والمخيف عليه و…
-ممدوح بهمس مخيف ، ونظرات مفزعة : مممم.. تعرف أنا بفكر في ايه ،
صمت ممدوح للحظة لكي يراقب ردة فعل الصغير عليه ، ثم تابع بـ …
-ممدوح بنبرة مفزعة ، ونظرات ثابتة : أنا هاقطع منك حتة صغيرة ، ومحدش هايعرف بده
ثم أخفض عينيه للأسفل ليشير بهما إلى ذلك الجزء الذي يهدد بإيذائه فيه ، في حين شحب لون وجـــه أوس على الفور ، وهربت الدمـــاء من وجهه ، فأيقن ممدوح أنه قد نجح في بث الرعب فيه نفسه ، فتملكه الغرور أكثر ، واقترب من أذن أوس ، و…
-ممدوح متابعاً بصوت ثقيل : و انت أصلاً ضعيف ، مش هاتقدر تعمل حاجة ، و حتى معندكش قوة تواجهني بيها ، الخدامة يمكن أقوى منك وهتعرف تتصرف مع أبوك ، لكن انت لأ ..
هــــز أوس رأسه في فزع ، وحـــاول أن يتملص من قبضتي ممدوح الممسكة به من ذراعيه الضئيلين و..
-أوس بتلعثم وخوف : أنا .. أنا …
-ممدوح بخفوت مخيف يحمل التهديد : انت هاتنسى اللي حصل في الأوضة ، وإلا ….
ثم صمــت لثوانٍ لكي يشير بعينيه إلى جســـد الصغير حتى يتأكد أنه قد فهم رسالته ، و..
-ممدوح بنبرة تشبه الفحيح : انت عارف أنا هاعمل ايه !
ومـــال برأسه عليه ، ثم ……………………..
في تلك اللحظة أفـــــاق أوس من نومه وهو يتصبب عرقاً غزيراً ، وصدره يعلو ويهبط وكأنه قد قطع أشواطاً في الركض لمسافات بعيدة ..
ظل لبرهة محدقاً في الفراغ أمامه ، متصلباً في مكانه ، محاولاً تهدئة أنفاسه اللاهثة ..
أغمض عينيه للحظة ، ثم أخـــذ نفساً عميقاً وزفره بقوة ، وفتح عينيه مجدداً ليتأكد أنه متواجد بغرفته في منزله الخاص بالمعادي ..
-أوس لنفسه بتوتر شديد : كان كابوس ، كابوس ، مافيش حاجة من دي موجودة …!
مـــد أوس يده في اتجاه الكومود ليسحب الهاتف المحمول من عليه ، ثم نظر في شاشته ليرى أن التوقيت قد تجاوز الرابعة صباحاً ..
ألقى هو بالهاتف على الفراش دون اكتراث ، ثم أنــزل ساقيه عن الفراش أولاً ، وانحنى بجذعه للأمـــام قليلاً ، ووضع كلتا يديه على فروة رأسه ، وظل يمرر أصابعه في شعره ، وأخــذ يحك رأسه بشدة حتى ينفض تلك الذكريات الآليمة والمفزعة عن عقله ..
زفــــر هو مجدداً ، ثم نهض كلياً عن الفراش ، وســـار في اتجاه باب الغرفة ، ودلف إلى الخـــارج – وهو عـــاري الصدر – ليطل على رفيقه عُدي …
كان عُدي شبه فاقد للوعي على الأريكة الموجودة بصالة المنزل من أثر الخمر ، وإلى جواره عدد من الزجاجات الفارغة ، وكذلك بقايا الطعام الجاهز ..
تأمل أوس هيئة عُدي المزرية ، وحدجه بنظرات متأففة ، ثم تركه وســــار في اتجاه المرحاض لكي يغتسل لعله يتمكن من نسيان ذلك الماضي المشين والمخيف الذي مـــازال إلى الآن يطارده في أحلامه ..
أدار أوس صنبور المياه البارد ، وأنزل رأسه أسفله ، وأغمض عينيه مجدداً ليستمتع بتلك البرودة التي أطفأت إلى حد كبير النيران المستعرة في عقله .. لم يدرْ هو كم من الوقت ظل باقياً على تلك الحالة ، ولكنه كان يبحث عن السلام الداخلي ، عمن يخمد ذلك البركان الهائج في صدره
……………………..