رواية ذئاب لا تعرف الحب الفصل الثالث 3 – بقلم منال محمد سالم
لم يهنأ أوس يوماً بعد الذي حدث في تلك الليلة المشؤومة – أي منذ ما يزيد عن ثمانِ عشر عاماً ..
فقد تملكه الرعب الشديد حينما أوشك ممدوح – رفيق والده – على الإعتداء بدنياً عليه ، ولكن منعه من الإقتراب منه قـــرع جرس الباب ، حيث نهض ممدوح عن الفراش ، وركض خـــارج الغرفة بعد أن أوصـــد الباب عليه من الخارج ، في حين اختبىء هــو بداخل خزانة الملابس حتى لا تطاله يد ذلك الدنيء ..
ورغم أنه كان محاصراً بالداخل ، والظلام الدامس يغلف الخزانة المختبيء بها ، إلا أن صوتها الذي اخترق أذنيه كان يطمئنه بأنها ستحميه من شره ..
ولكن سرعــــان ما تلاشى هذا الشعور حينما سمع أصوات شجارها مع ذاك البغيض و…
-تهاني بغضب عــــارم : انت إزاي تعمل كده ؟؟ أنا مش هاسكت
-ممدوح بصراخ حــاد : تهاني ، كله كان بموافقتك ، وأنا مضربتكيش على ايدك ..!
-تهاني بنبرة عازمة وقوية ، ونظرات ضيقة ومتوعدة : وأنا مش هاسيبك تفلت باللي عملته ، حقي هاجيبه منك ، وهاخلي ناريمان تعرف ، وأنا آآ…آآآآآآه .. ابعد عني ، آآآآآآآآآه
استمع أوس إلى صراخ السيدة تهاني الهادر وهي تحاول الاستغاثة بمن يساعدها ، ولكن تحول هذا الصراخ بعد ثوانٍ قليلة إلى ضحكات رقيعة ن وشبه مائعة ، وأصوات أقرب للدلال الممزوج بتأوهــات من الآلم ، فاكفهرت ملامح وجهه أكثر ، وشعر بالتخبط في أفكاره و…
-تهاني بنبرة ناعمة : آآآه ، يوووه يا ممدوح ، أنا مش بحب كده ، آآآي ، انت بتوجعني
-ممدوح بنبرة رخيمة : باموت فيكي
-تهاني بنبرة مليئة بالدلال : الله .. مايصحش اللي بتعمله ، احنا عند مهاب مش في بيتنا
-ممدوح بخبث : عندك حق ، ده حتى مهاب نايم فوق مع حبيبته ، وأنا نفسي أخد راحتي معاكي أوي .. تعالي يا قلبي ، تعالي
ثم تعالت ضحكاتهما سوياً وبعدها بلحظات انخفضت تدريجياً حتى ســـاد السكون التام في أرجــــاء الغرفة .. وهنا أدرك أوس مفهوماً جديداً في الحياة ، وأوهم نفسه بأن هناك لذة مــا في تعذيب الغير .. نعم ، هو ذلك الشعور الذي يمنحك القوة حينما تعتدي بالقسوة على من هو أضعف منك ، شعور يجعلك المسيطر والمهيمن على كل شيء ..
……………………
أفــــــــــاق أوس من شروده هذا ، وأبعد رأسه عن المـــاء المنهمر ، ثم نظر إلى نفسه في المرآة بنظرات شرسة ومتوحشة ، و…
-أوس وهو يصر على أسنانه في غل : كلهم زي بعض ، كلهم نسوان ***** ..!
ثم ضرب بقبضة يده المتكورة المرآة بقوة فتحطمت على الفور لأجزاء صغيرة …
فنظر مجدداً إلى انعكاس صورته المشوهة عليها ، وظل متسمراً لثوانٍ في مكانه حتى حضر إليه راكضاً رفيقه عدي الذي كان أثر النعاس بادياً عليه و…
-عدي بفزع : في ايه اللي حصل ؟؟
لم يجبه أوس بل دفعه من كتفه لكي يدلف خـــارج المرحاض ، فحك عدي رأسه في عدم فهم و…
-عدي بنظرات استغراب ، ونبرة متعجبة رغم تحشرجها : ده ماله ده !!!
……………………………………
في قصر عائلة الجندي ،،،،
وقفت السيدة ناريمان أمام بوابة القصر تنتظر السائق الخاص بها لكي يحضر لها السيارة ، ثم رفعت أصابع يدها المطلية باللون النبيذي لتتأكد من تناسقه مع لون فستانها الأســـود الغالي حيث الحفل الخيري الذي ستذهب إليه بعد قليل مع رفيقاتها ..
في نفس التوقيت قــــاد أوس سيارته عائداً إلى القصر ، فلمح والدته وهي تقف في كامل زينتها ، فصف السيارة جانباً ، وترجل منها ، وســـار نحوها وهو يرمقها بنظراته القوية والثابتة ..
لوت ناريمان شفتيها في ضيق حينما رأت أوس ، وحدجته بنظرات حادة و…
-ناريمان بنبرة ضائقة : طب كويس انك افتكرت ان ليك أهل وجيت
-أوس بنبرة جافة : اهلا
-ناريمان بحنق : أهلا ..! ده اللي جاي تقوله دلوقتي ؟ يعني انت غايب بقالك كتير ، وفي الأخر تقولي أهلاً ، فعلاً انت الواحد مستحيل يتكلم معاك
-أوس بجفاء : ناريمان هانم ، ماظنش إن وجودي هنا أو غيابي هيفرق معاكي في حاجة ، بالعكس أنا بريح دماغك مني ، والأفضل تخليكي في شغل الخير بتاعك ده ، أو أقولك ركزي مع ليان أحسن مني
-ناريمان بنظرات مشتعلة ، ونبرة متشنجة : انت .. انت ازاي بتتكلم كده ، أنا أمك مش واحدة من الزبالة اللي تعرفهم
-أوس وهو يزم شفتيه ، وببرود مستفز : مممم .. أمي ، طيب كويس انك فكرتيني ، أصل أنا كنت ناسي المعلومة الخطيرة دي
-ناريمان وهي تزفر في غضب : اووووف ، انا فعلاً بعترف إني فشلت في تربيتك !
-أوس بتهكم ، ونظرات ذات مغزى : كفاية أوي إني تربية ممدوح بيه ..!
ابتلعت ناريمان ريقها في توتر واضح ، وبدأت أصابع كف يدها ترتعش قليلاً ، فأخذت نفساً سريعاً لتسيطر على ارتباكها الملحوظ و…
-ناريمــان بتلعثم : آآ.. انت .. انت تقصد ايه ؟
-أوس بنبرة باردة ، ونظرات قاسية : انتي فاهماني كويس ، فبلاش نلف وندور على بعض
حدقت هي بمقلتي عينيها في قلق واضح ، فقد أدركت أن وراء تلميحاته هذه مغزى واضح ، لذا ابتلعت ريقها مجدداً ، وحـــاولت أن تسيطر على ملامح وجهها لتبدو عابسة الوجه ، و…
-ناريمان بنبرة شبه حـــادة ومتوترة : انت التفاهم معاك صعب ، أنا ماشية ..!!!!
ثم ســـــارت بخطوات راكضة في اتجـــاه السيارة – وهي تتمتم بكلمات مبهمة – حيث ينتظرها السائق ، وأشــارت له بطرف إصبعها ليفتح لها الباب ، ثم ركبتها لينطلق بها خــــارج القصر ….
……………………………………
صعد أوس إلى غرفته ليستحم ثم قام بتبديل ملابسه بأخـــرى رسمية من أجـــل الذهـــاب إلى مقر شركاته ، وقبل أن يتجه إلى الدرج سمع صوت اخته الصغرى ليان يصدح عالياً وهي تسب وتلعن في الهاتف بعصبية ، فضيق عينيه في حيرة ، ثم قرر الذهاب إليها لمعرفة ما الأمــــر ..
لم تنتبه ليان إلى وجود أخيها خارج غرفتها ، واستمرت في الصياح بـ …
-ليان هاتفياً بغضب : مش لاقياه يا جودي ، قلبت الدنيا عليه في كل مكان
-جايدا هاتفياً بهدوء : طب انتي شوفتيه في التويلت ، ممكن يكون على المراية
-ليان بحنق : يا بنتي أنا مش طلعته من الـ ( Box ) بتاعه ، يبقى ازاي هاسيبوه كده
-جايدا بنبرة جادة : يبقى أكيد في حد خده
-ليان متسائلة بتزمت : حد مين ده ؟
-جايدا وهي تمط شفتيها في حيرة : يمكن حد من الخدامين اللي عندكم
-ليان وهي تهز رأسها نافية ، وبنبرة متشنجة : لأ معتقدش ، مامي هنا مش بتشغل أي حد
-جايدا بهدوء حذر : مش عارفة أقولك ايه
-ليان بإنفعال : أنا عاوزة حل للمصيبة دي ، مامي لو عرفت إن الخاتم ضاع هـ..آآ… هتزعل ومش بعين تكنسل ( تلغي ) البارتي بتاعتي
-جايدا بقلق : طب وبعدين ، هاتعملي ايه ؟
وضعت ليان أطراف أصابعها في فمها ، وبدأت في قطم أظافرها في ارتباك شديد و…
-ليان بتوتر : أنا .. أنا بفكر أخلي سامو يضربلي واحد أي كلام وآآآ..
أوس مقاطعاً بنبرة متصلبة : ليان ، اقفلي الخط وتعالي ورايا
انتفضت ليان فزعاً على إثر صوت أخيها الكبير ، والتفتت برأسها ناحيته ، وحدقت فيه بنظرات حــادة و…
-ليان بنبرة ضائقة : أوس .. انت هنا من أمتى ؟
-أوس ببرود واضح : انتي سمعتي أنا قولت ايه ! تعالي
-ليان بتذمر : اووف ، أنا مش فاضية لأي كلام ، بليز أوس سيبني في اللي أنا فيه
-أوس بنبرة صارمة ، ونظرات قوية : ليان .. تعالي
ثم ســــــار خارج غرفتها ، ووقف أمام الدرج ووضع كلتا يديه في جيبي بنطاله القماشي الأســــود ، فتبعته هي إلى حيث يقف ، ولوت فمها في تأفف ، ورمقته بنظرات ضيقة و…
-ليان بنفاذ صبر : عاوز ايه ؟
-أوس بنبرة محذرة : اتكلمي معايا عدل أحسنلك ، أنا مش صاحبتك
عضت هي على شفتها في عدم اكتراث ، وأشاحت بوجهها بعيداً عنه ، و..
-ليان بهدوء مصطنع : سوري ، بس أنا مضايقة خالص ، وآآ..
-أوس مقاطعاً بصوت عميق : في ايه ؟
-ليان بتشنج : الخاتم السوليتر بتاعي ضايع ، وانا هاتجنن عليه ، ولو مامي عرفت باللي حصل فأنا مش عارفة هاتعمل ايه وآآ…
-أوس مقاطعاً بتهكم : وطبعاً إنتي الوقتي عاوزة بديل ليه قبل ما ناريمان هانم تكتشف الموضوع ، فهاتروحي للزفت سامو وتخليه يقلدلك واحد زيه
-ليان وهي تتنحنح في توتر : احم .. آآ.. يعني
-أوس بجدية : أنا سامعك وانتي بتظبطي كل حاجة ، لأ برافو .. بنت أمك ، بتعرفي تخططي وتلعبي صح !!
رفعت ليان أحد حاجبيها ، ورمقته بنظرات إستهجان ، و…
-ليان بإنزعاج : ايه الاسلوب البيئة ، يععع ، أنا مش كده على فكرة ، أنا بس مش عاوزة مامي تزعل
-أوس بنبرة تحمل الاستهزاء : لا والله ، ده بجد .. على أساس إن أنا أهبل وممكن اصدق العبط اللي سمعته
-ليان وهي تزفر في غضب : أوووف ، أنا أصلاً بتكلم معاك ليه ، انت كده كده مش بيفرق معاك حاجة ، وهاتسيب القصر ( as usual ) ، وهافضل أنا أحاول أبرر لمامي وأشوف أي حجة عشان تقتنع إني مش السبب
تجمدت تعابير وجه أوس وظل لثوانٍ محدقاً في عيني أخته ، فارتابت هي من نظراته المسلطة عليها ، ثم …
-أوس بصلابة : لأ بيفرق معايا ، وهاوريكي
ثم تركها أوس وأمسك بالدرابزون ، ونزل على الدرج سريعاً ، واتجه ناحية المطبخ المتواجد به الخدم ، وحدجهم جميعاً بنظرات شرسة بثت الخوف في أنفسهم و….
-أوس متسائلاً بقوة : فين حكمت ؟!
-الخادمة تحية بتردد : آآ… هي .. هي بقالها كام يوم عيانة ، وآآ… ومش .. ومش هاتقدر تيجي
-أوس بنظرات نارية ، ونبرة مخيفة : أهـــا ، يعني هي غابت كده مع نفسها وبلغتك انتي بدل اللي مشغلينها
-الخادمة تحية بتوتر شديد : أبداً والله يا باشا ، ده .. ده آآ..
-أوس مقاطعاً بقسوة ، ونظرات محذرة : أنا هاطلب البوليس لو الخاتم ماظهرش في ظرف ساعتين ، والكل هيروح في داهية
-الخادمة تحية وهي فاغرة شفتيها في ذهول : هــــاه ، بوليس ، طب .. طب ليه ؟؟!!!
نظر الخدم إلى بعضهم البعض في ارتباك شديد ، وبدأوا يتهامسون في فزع .. نعم .. الكل يخشاه بحق ، فلا يمكن لأي أحـــد أن يتوقع ردة فعله حينما يغضب أو يثور ….
………………………………….
في منزل تقى عـــوض الله ،،،
سمعت تقى صوت طرقـــات خافتة على باب المنزل ، فعدلت من وضعية حجابها الذي يغطي غالبية شعرها ، ثم ســــارت في اتجاه الباب وفتحته لتجد جارتها حكمت واقفة أمامه وترمقها بنظرات متفحصة لها ولقميصها القطني القديم ، و…
-تقى بنبرة سعيدة وهي تشير بيدها : اتفضلي يا خالتي
-حكمت بهدوء مصطنع : اه يا حبيبتي ، هاتفضل ، أومــال امك موجودة
سمعت هي صوت فردوس يأتي من الداخل ، فاستدارت ناحية مصدر الصوت و…
-فردوس بنبرة شبه عالية : تعالي يا حكمت ، أنا موجودة
-حكمت وهي تمط شفتيها في ضيق زائف : كويس إني لاقيتك ، أصل عاوزاكي في حاجة مهمة
-فردوس بلهجة آمــرة : خشي يا بت يا تقى أعملي حاجة ساقعة لخالتك حكمت بسرعة
-حكمت باعتراض زائف : مالوش لازمة ، هو أنا جاية أضايف هنا
-فردوس بإصرار : لا والله ما يحصل ، ده انتي في بيتي ، اجري بسرعة يا بت
-تقى بنبرة متحمسة : هاعملك لمون ساقع بسرعة يا خالتي
ثم ركض تقى سريعاً من أمامها في اتجاه المطبخ ، وتابعتها كلتاهما بنظرات ثابتة إلى أن اختفت عن ناظريهما ، فاعتدلت حكمت في جلستها ، ورفعت أحد حاجبيها في ترفع و…
-حكمت هي تلوي ثغرها : شوفي بقى يا فردوس يا اختي ، أنا مش هالف وأدور في الكلام كتير
اضطربت قسمات وجـــه فردوس ، وقطبت جبينها نوعاً ما ، وأصغت بإهتمام بالغ إلى ما تقوله جارتها و…
-حكمت بنزقٍ : الوقتي ( الديّانة ) عاوزين فلوسهم ، وأنا بحاول أشوفلك حل عشان ماتتفضحوش أكتر
-فردوس وهي تلوي فمها في سخط : ربنا مش هايجيب فضايح إن شاء الله ، ريحي نفسك بس يا حكمت وماتشليش همنا
-حكمت بنظرات ضيقة ، ونبرة هامسة : يا ولية أنا عاوزة أساعدك ، ياباي …!
حدجت فردوس حكمت بنظرات حانقة ، ثم أشاحت بوجهها بعيداً عنها، و….
-فردوس بنبرة عالية : بت يا تقى اللمون بسرعة عشان خالتك ريقها ناشف
نهضت هي عن الأريكة ، ونظرت إلى حكمت بنظرات منزعجة قبل أن تردف بـ …
-فردوس على مضض : هـــاروح أشوف ايه اللي أخر البت دي ورجعالك
ثم ســـارت فردوس بخطوات ثابتة في اتجاه المطبخ ، بينما ظلت حكمت تتابعها بعينيها المغتاظتين إلى أن أختفت تماماً ، فأرجعت ظهرها للخلف ، ووضعت ساقاً فوق الأخــــرى و…
-حكمت بنبرة محتقنة وخافتة : أنا مش عارفة بتتنطط على ايه بنت بارم ديله دي …!!!!!!
…………………………………..
•تابع الفصل التالي “رواية ذئاب لا تعرف الحب” اضغط على اسم الرواية