رواية لا تشبهين احدا الفصل الرابع 4 – بقلم شاهنده سمير
الفصل الرابع
___كالملائكة… أنتِ___
استمعت إلي هاتفها الذي يردد رقم ماجد خطيبها،أغمضت عيناها في حركة لا إرادية تبغي تجاهلاً في جوف ظلام تعيشه بالفعل، لا تريد وهي في هذه الحالة ان تستمع إلي حوار لا فائدة تُرجي منه، هكذا حواراتها الهاتفية مع ماجد، تدور كلها حوله وحول انجازاته اليومية والتي أكبر انجاز فيها أنه استطاع تحقيق الرقم القياسي في صد ضربات الجزاء بالنادي، أو كسب رهاناً مع صديقه استطاع فيه حبس أنفاسه تحت الماء لمدة أطول من كل رفقائه.
زفرت بقوة وهي تشعر بالملل الشديد بعد أن ألغت درس الموسيقي لهذا اليوم تأثراً بما حدث بالنادي صباحاً حيث تركت كلمات الرجل القاسية أثراً سيئاً في نفسها وأحدثت جُرحا مازال يقطر دماً.
فتحت عيناها حين تناهي إلي مسامعها صوت هاتفها يعلن عن اتصال جديد من رقم غريب، كادت أن تتجاهله بدوره ولكنها وجدت في نفسها شعور قوي يخبرها أن عليها الإجابة عليه ففعلت دون تردد.
تناهي إلي مسامعها صوت رجولي عميق النبرات يقول:
_مساء الخير ياآنسة ريم.
_مساء النور.. مين حضرتك؟
_أنا جهاد الجرسون اللي….
قاطعته قائلة:
_أيوة أيوة.. خير ياأستاذ جهاد؟
صمت من جانبه للحظة قبل أن يقول:
_انتِ بخير ياآنسة؟
هل أخبره صوتها بما تمر به الآن من سوء وألم أم أخبرته طريقتها الجافة في الحديث معه؟ هل جرحته؟ أكان يريد منها شيئاً؟ ربما مالاً أو دواءاً لوالدته؟ شعرت بالذنب علي الفور فأسرعت تقول:
_أنا بخير الحمد لله.. مامتك كويسة؟ أجيبلها حاجة؟
تسللت نبراته الحانية إلي قلبها وهو يقول:
_ماما بخير الحمد لله، الحقيقة أنا بكلمك مخصوص عشان أبلغك شكرها وامتنانها ليكي علي اللي عملتيه معايا.
_انا معملتش حاجة.. الموضوع بسيط متكبرهوش.
_بسيط بالنسبة لك لكنه كبير قوي بالنسبة لنا.. اللي زيك في الزمان ده بقوا قليلين قوي ياآنسة ريم.. تقريباً يتعدوا علي الصوابع.
_مش قليلين صدقني.. اللي زيي كتير، رسولنا الكريم قال الخير في أمتي ليوم الدين.
_عليه أفضل الصلاة والسلام.
صمت للحظة أخري قبل أن يقول:
_آنسة ريم.
_آفندم.
_أنا لو طلبت أكون قريب منك، صديق يعني وقت ماتحتاجيه متتردديش في طلبه أكون بكدة طمعت زيادة في كرمك.
_انك تعرض عليا صداقتك وخدماتك ده كرم منك انت ياأستاذ جهاد.
_آنسة ريم..
_نعم..
_ربنا خلق مابينا ناس بيبقوا مصدر للسعادة والخير لكل اللي حواليهم، الناس دي مش بتشبه حد من البشر.. بيبقوا شبه الملايكة.. وانتِ من الناس دول اللي ربنا بيحبهم، واللي بيحبه ربنا مفيش حاجة في الدنيا ممكن تسبب له حزن لإنه بيكون متأكد ان أي ابتلاء هو خير من عند ربنا.. عسر بعده يسر، ربنا عايز يقولك ان الدنيا مهما ضاقت بيك ياابن آدم فأنا جنبك ومش هتخلي عنك أبداً مهما حصل.. فاهماني؟
_فاهماك.
_يبقي امسحي دموعك دلوقتي وانفضي عنك حزنك وبكرة لو حبيتي ممكن نتقابل قبل الشيفت بتاعي أو بعده ونتكلم أكتر.
مسحت دموعها لا ارادياً وهي تتعجب من ادراكه أنها تبكي رغم محاولتها المستميتة اخفاء ذلك.. لتقول بهدوء:
_متشكرة قوي علي عرضك الكريم ده بس الحقيقة أنا بكرة مشغولة ومش هقدر أقابلك.
أدرك محاولة تهربها منه فلم يضغط عليها قائلاً بهدوء:
_مفيش مشكلة.. وقت ماتحتاجيني كلميني.. تصبحي علي خير.
_تلاقي الخير.
أغلقت الهاتف تشعر ببعض الندم علي رفض عرضه وقد بدا طيب القلب يبغي رد معروفها دون إلحاح رغم أنها تشعر أنه التصرف السليم، فلا حاجة لها لتعقيدات جديدة بحياتها وقد بدا مهتماً بها حريصاً علي راحة نفسها وقلبها علي عكس خطيبها الذي لم يعاود الاتصال بها مجدداً وكأن الاتصال بها هو واجب يقوم به علي مضض.. انتفضت علي صوت رنين هاتفها يعلن عن رقم خطيبها.. في هذه المرة أجابت وياليتها مافعلت فقد ضج رأسها بحديثه العقيم عن حفلة الليلة التي كان يحضرها وكم كانت رائعة وسؤال الجميع عنها ثم رغبته في اصطحابها المرة القادمة حتي لا يلومه أصدقائهم مجدداً، اختتم المحادثة دون أن ينتبه لصوتها أو يشعر بحزنها لتعقد مقارنة علي الفور بينه وبين النادل جهاد الذي أدرك مابها من أول كلمة.. لتتأكد أنها كانت محقة حين أغلقت الأبواب أمامه فربما ان تعمقت صلتها به وجدت نفسها تقارن بينه وبين ماجد مجدداً ليخسر الأخير دون شك.
____________________
كان يستمع بكل حواسه إلي هذه المعزوفة الجميلة التي تذكره بها، ليغمض عيناه ويراها أمامه تمسك كمانها وتقف بشموخ مغمضة العين بدورها كلوحة فنية رائعة تخطف الأبصار، يغمره دفق أنغامها بارتواء بعد عطش وكأنه يناجي السماء ونجوم الليل، كم تمني في هذه اللحظة لو كان إحدي نغماتها التي تبثها بعشق، أو طيف يلازمها فتبعث في روحه الدفء، قد حُفرت أنغامها في قلبه وعقله وروحه فهدهدت كيانه الثائر ليظل وهج ألحانها وعذوبة روحها ورقة ملامحها، ملاذ يلجأ إليه بعد يوم عصيب.
انتهت معزوفته ولكن صوت ألحانها المليئة بالشجن ظلت تدوي بأذنه وصورتها تسكن بمقلتيه تضمها أهدابه فلم يقوي علي فتح عينيه وإطلاق سراحها حتي يدوم السحر إلي أن يغرق في سبات عميق.
_________________
كان يقف في المصعد مع صديقه مؤنس، حين توقف بهما وصعد إليه رجل ألقي التحية علي الأخير بود وطلب منه أن يبلغ سلامه لوالده،قبل أن ينتبه لماجد ويلقي عليه تحية مهذبة ثم يدير لهما ظهره، مال ماجد علي صديقه يسأله عن الرجل فأخبره أنه صديق قريب لوالده، ما ان خرجوا من المصعد حتي بادره ماجد قائلاً:
_أستاذ مسعود، انت مش فاكرني؟
قطب مؤنس حاجبيه بحيرة بينما يقول مسعود:
_فاكرك طبعاً، خير ياأستاذ…
_ماجد، الحقيقة الموقف اللي حصل معايا من الويتر اللي شغال عندكم في الكافيه لسة حارق دمي لحد دلوقتي وبصراحة أكتر غيرت رأيي وعايزه يتعاقب علي تطاوله عليا.
_أيوة بس….
تدخل مؤنس في هذه اللحظة يقول:
_من فضلك ياعمي لو تقدر تحقق رغبة ماجد هبقي مبسوط قوي،مش معقول هتسمح لويتر حقير اتطاول علي أسياده يشتغل في الكافيه عندكم ويضر بسمعتكم.. وكمان انت متعرفش ماجد، ومتعرفش والده من عيلة مين وزعله ممكن يوصلنا كلنا لفين؟واحنا برضه أكيد هنقدر خدمتك وهنقدم تعويض عن خسارة الكافيه لحد ماتلاقوا ويتر تاني بداله.
حين ذكر مؤنس المال لمعت عينا مسعود بطمع يعرفه ماجد جيداً ليبتسم وهو يشعر أنه علي وشك الفوز حين قال مسعود:
_طب تعالوا أوصلكم في طريقي عشان نتكلم في التفاصيل.
اتسعت ابتسامة ماجد ومسعود يتقدمهم ليميل علي صديقه قائلاً:
_شكراً ياصاحبي.
وكزه مؤنس بابتسامة قائلاً:
_أي خدمة ياكبير بس متنساش تظبطني مع ميار.
_اعتبرها تحت أمرك.
التمعت عينا مؤنس بينما يتبعان مسعود بابتسامة شيطانية اعتلت ثغرهما فرحاً بقرب تحقيق الأمنيات.
__________
_آه والله زي مابقولك كدة..إيناس صاحبتي اللي بلغتني وقالتلي إن صاحب النادي طرده منه وحرمه من دخول النادي هو وأي فرد من عيلته.
_معقول!
_معجبوش ياستي اللي عمله معاكي وسمعه كلمتين انما ايه في الجول، وبعدين طرده.. علي فكرة اللي اسمه طاهر ده طلع فعلاً حكاية، فلوس وعلاقات مقولكيش.. ان صاحب النادي يطرده هو وعيلته دي حاجة مش سهلة أبداً لكن قصاد انعدام الأخلاق مترددش ثانية واحدة، النادي كله ملوش سيرة غير الموضوع ده أصلاً.
_لسة الدنيا بخير زي ماقلت.
ذكرتها عبارتها بحديثها مع جهاد فوجدت نفسها تردد كلماته بعقلها..
ربنا خلق مابينا ناس مش بتشبه حد من البشر
بيبقوا شبه الملايكة
انتِ من الناس اللي ربنا بيحبهم
اللي بيحبه ربنا مفيش حاجة في الدنيا تضره او تسبب له حزن
عايز يقولك ان الدنيا مهما ضاقت بيك ياابن آدم فأنا جنبك ومش هتخلي عنك أبداً مهما حصل.
عادت من شرودها تستمع لصديقتها التي قالت بحماس:
_الراجل ده بصراحة الكل بيتكلم عنه وعن أخلاقه وعن فعله الدايم للخير، ماشي علي نهج والده الله يرحمه ووالدته المعروفين في المجتمع الراقي بأخلاقهم العالية وكرمهم الحاتمي.
_مش قصدك جواد الجمال؟أنا فعلا سمعت عن والده كتير من بابا الله يرحمه وانه من الأوائل اللي رفضوا استيراد البن أو غشه وعشان كدة اشتري أرض في البحيرة وقرر يزرع البن في مصر، ولان بذور القهوة وأوراقها مبتحبش الشمس عمل حاجة اسمها الزراعة المظللة، يزرع البن يعني تحت شجر المانجة عشان توفر الضل للبن وفعلا نجح وبدأت الناس تقلده، في توشكي وفي محافظة القليوبية كمان.
_أهو ابنه بقي مكمل وراه، اتوسع في شغله وخلي اسم عيلته علامة تجارية للي عايز يشرب بن حقيقي مظبوط وبسعر بيضارب بيه كل الأسعار العالمية.. ده غير ان كافيهاتهم مالية البلد وكل واحد فيهم ماشي زي التاني بأعلي مستوي خدمة.. أنا سمعت انه زارع في كل كافيه عيون ليه بتعرفه لو فيه أي تقصير ووقتها عقابه بيبقي عالمي.
_ماجد دايماً ياخدني لكافيه من كافيهاتهم.. الحقيقة بشرب هناك فنجان قهوة مشربتوش في أي مكان تاني.
_اللي مزعلني انهم بيقولوا ان الواد مز كدة ولا ممثلين السينما ولسة عازب لحد دلوقت.. مش عارفة أهله ساكتين عليه ازاي مع انه وحيدهم؟هي البنات راحت فين طيب؟ مفيش واحدة قادرة توقعه في حبها وتدخله عش الزوجية.. طب يقولولي بس وأنا أتصرف.
ابتسمت ريم قائلة:
_واحنا مالنا ياديجا؟ وبعدين ماتركزي شوية مع يحيي ولا ناوية تغيري؟
اتسعت عيناها باستنكار قائلة:
_أغير ايه بس؟ ده يحيي اللي في الحتة الشمال.. ساكن ومقيم كمان.. أنا بس نفسي أخدم لو مش لاقي عروسة أجيبله.
اتسعت ابتسامة ريم وهي تهز رأسها في يأس.
____________________
أصبحت الآن أدرك سر تجنبي الحضور إلي هذا المكان..أخشي اقتراباً منه يعلقني بروح طيبة توسمتها فيه.. بات اللقاء بشخص كهذا يرعبني وكيف لا أرتعب ولم أعد حرة لأكون مع صديق قد يتسلل لقلبي دون ارادة مني؟لا تنكر أيها القلب ولا تستبعد مخاوفي فلم تره سوي مرة واحدة ولم تتحدث إليه سوي مرتين وها أنت من وقتها ولا يمر يوماً دون أن تردد كلماته وتستعيد الحنان والاهتمام بصوته.. تقارن بينه وبين هذا الجالس جوارك فيخسر الأخير وتنتابك الحسرة.. حتي أنك تتساءل عن مكانه الآن وهل يراك؟ أتراه قريباً؟ اذا ما الذي يؤخره؟
أفاقت من أفكارها علي صوت ماجد الذي أغلق هذه المحادثة التي كان يجريها وهو يقول بحماس :
_أهم جايين ياستي، قلتلك هايدي متقدرش ترفضلي طلب..هنقعد شوية ونقوم نروح النادي نكمل قعدتنا.
_مش هقدر ياماجد أنا ورايا تدريب…..
قاطعها قائلاً بحنق:
_تدريب ايه بس اللي يخليكي تفوتي فرصة زي دي؟ انا مش عارف فايدته ايه التدريب مادام في الآخر مش هتعزفي؟فلوس بتترمي في الأرض وخلاص وبعدين انتِ لازم تشوفيني وأنا بكسب أصحابنا كلهم في لعبة الكريكيت.
_أنا مبشوفش ياماجد.
قالتها بسخرية مريرة جعلت ماجد يقول بسرعة:
_أنا آسف ياريم أكيد مقصدش.
_ولا يهمك.
تأمل ماجد المكان قائلاً:
_تعرفي أحلي حاجة النهاردة في المكان ده ايه؟إن الجرسون المستفز ده مش موجود.
انتبهت لكلماته تعقد حاجبيها متسائلة عن سر غيابه، كانت تتوقع ان يحمل لها هذا الخبر ارتياحاً ولكنه علي العكس جعلها تتوجس خيفة من اجابة سؤالها حين أردف ماجد بنبرات متشفية وهو يقول:
_إمبارح قابلت مدير المكان، طلع جار مؤنس صاحبي وصديق والده.. عرضت عليه مبلغ عشان يطرد الجرسون ووافق..عشان تعرفي بس ان محدش ممكن يقف قصادي من غير ماياخد جزاؤه واني دايما بكسب في الآخر.
_وتفتكر لما قطعت عيش الغلبان ده وخليته دلوقت بيدور علي شغل عشان يقدر يجيب أكل وعلاج لوالدته تبقي كسبت؟ أكيد خسرت وخسرت كتير كمان.
قال ماجد بضجر:
_وأنا مالي ومال قصصه دي، ياستي غلبان زي مابتقولي كان مشي جنب الحيط وموقفش قدام أسياده، علي فكرة ياريم انتِ قلبك رهيف قوي وعشان كدة الناس بتعرف تستغلك.. الحمد لله اني موجود دلوقت في حياتك عشان أوقف كل واحد عند حده وأحميكي من النصابين دول.
همست بحنق:
_احمي نفسك الأول.
أشار للنادل قائلاً:
_بتقولي حاجة؟
نهضت تقول بعصبية:
_بقول اني لازم اقوم أمشي عشان اتأخرت عن التدريب بتاعي اللي انت شايفه ملوش لازمة لكن أنا شايفاه مهم جداً في حياتي، ابقي سلملي بقي علي هايدي وشيري وقولهم كان نفسها تكون معاكم بس قلبها رهيف ومش هتستحمل تشوفني خسران قدام الكل.
_انا مبخسرش أبداً.
_النهاردة هتخسر.. سلام ياماجد.
ابتعدت يتابعها بعيون متسعة من الصدمة قبل أن يقول بحنق:
_بتقولي اني هخسر في وشي، ريم الظاهر اتجننت.. مش عارف اتعصبت عليا كدة ليه؟كل ده عشان كنت السبب في طرد الجرسون؟ وإيه يعني؟ ماقلتلها هو اللي وقف قصادي وكان لازم أعلمه الأدب.. مثاليتها دي تخنق والله.. لولا فلوسها وزن خالتي كنت كبرت منها خالص واتجوزت هايدي أو حتي شيري الاتنين فرافيش كدة وحلوين.. مش خنيقة زي ناس.. والله ماانا عارف شايفة نفسها علي ايه، أمال لو مكنتش عامية؟
_بتقول حاجة يابيه؟
_وانت مين انت كمان؟
_انا الجرسون.. حضرتك شاورتلي.
_آه.. طب روح هاتلي قهوة مظبوط بسرعة، عايز خدمة فوق المستوي.. أنا مش هستني حضراتكم اليوم بطوله عشان تجيبولي القهوة.. مفهوم؟
هز النادل رأسه قائلا:
_تحت أمرك يافندم.
وما ان ابتعد قليلاً حتي قال الجرسون حانقاً:
_والله لو عليا هجيبلك قهوة فيها ملح ولا سم هاري، مش كفاية قطعت عيش الراجل السكرة اللي ملحقش يتهني بالوظيفة، كمان بتكلمني وكأني بشتغل عندك.. صحيح تيوس معاها فلوس. عرض أقل
•تابع الفصل التالي “لا تشبهين احدا ” اضغط على اسم الرواية