رواية لا تشبهين احدا الفصل السابع 7 – بقلم شاهنده سمير
الفصل السابع
___لا تشبهين أحداً___
هل من الممكن أن يتعلق المرء بأحدهم من صوته، يتوسم فيه الخير وطيب القلب وشفافية الروح، يراه وكأنه يستطيع الإبصار.. لا يحول الظلام بينه وبين هذا الشخص بل يستطيع دون جهد أن يصف ملامحه، ينسج له صورة تشبهه حد التماثل وتشوقه بقوة لأن يمنحه الله البصر للحظات حتي يوقن من انه استطاع رسم خطوط وجهه وببراعة.
هكذا شعرت ريم وهي تجلس أمام هذه السيدة الكريمة التي أحبتها منذ اللحظة الأولي.. استقبلتها السيدة حورية بحفاوة أنستها ظلام دنياها وهي تشرق بابتسامة هذه السيدة الطيبة وحماسها، لم تشعر للحظة بأنها سيدة مقعدة كما أخبرها جهاد، بل كانت تتنقل حولها كفراشة جميلة تحضر لها مابالمنزل من ضيافة وتُعد لها الشاي يشاركها جهاد في جو عائلي جميل افتقدته ريم كثيراً حتي كادت أن تنساه، أفاقت من أفكارها علي صوت السيدة حورية وهي تقول:
_ايه يابنتي مبتاكليش ليه؟ لو الرز واللبن بتاعي مش عاجبك متتكسفيش.. سيبيه من ايدك علطول.
_مش عاجبني ازاي بس؟ ده يجنن.. تسلم ايدك ياطنط.
_ربنا يجبر خاطرك ياريم، مش ناوية بقي تسمعيني حاجة من عزفك؟ جهاد بيقول انك بتعزفي حلو قوي.
كان جهاد قد عاد في هذه اللحظة بعد أن أحضر العصير، لاحظ انقباض أسارير ريم فقال بسرعة:
_مرة تانية بقي ياست الكل، ريم يادوب تشرب العصير ونمشي عشان متتأخرش.
ناولها كوب العصير في يدها مردفاً:
_ده عصير الفراولة اللي بتحبيه.
لمسة يده يدها وهو يناولها الكوب ويحيط به أناملها أصابتها برعشة حاولت نفضها وهي تتساءل كيف عرف بعصيرها المفضل؟ هل طلبته حين كانت تتردد علي الكافيه الذي كان يعمل به؟ لا تتذكر حقاً، نفضت أفكارها مجدداً وهي تعيد الكوب للطاولة قائلة:
_مش هقدر أشربه الوقت فعلا اتأخر…….
قطعت كلماتها والكوب يفلت من يدها ويقع علي الأرض متحطماً بصوت مدوي، انتفضت تقول باضطراب وخجل:
_أنا آسفة مكنتش أقصد…
قاطعها جهاد قائلاً:
_ولا يهمك بس خليكي في مكانك متتحركيش عشان متتإذيش، أنا جاي حالاً.
تمنت في هذه اللحظة أن تنشق الأرض وتبتلعها حين سمعت كرسي السيدة حورية يقترب منها قبل أن تمتد يدها وتمسك بها يدها تقول بحنان:
_كلنا ممكن نوقع كوباية العصير ياريم، مش مشكلة علي فكرة ولا تستاهل عيونك الجميلة دي تتدمع بسببهم، أنا عايزة أقولك حاجة، ربنا لما بياخد مننا حاجة بيعوضنا بحاجات تانية أجمل وأحسن بكتير لان اللي عند ربنا أجمل وأحلي من أي شيء.
لما ربنا خد مني رجلي في الحادثة اللي حصلتلي بعد جوازي علطول، عوضني بجهاد وكان نعم العوض.. زي ماكان باباه أكبر عوض ليا بعد عذابي قبل ماأشوفه ودي حكاية طويلة في يوم من الأيام هحكيهالك.. أنا قصدي أقولك ان ربنا لو خد منك نعمة فليه حكمة والحكمة هتعرفيها لما هيرزقك ربنا بنعمة أكبر منها، وقتها مش هتحسي بالقهر ولا الزعل بالعكس كل ماتفكري في ضعفك هتفتكري نعمه التانية وتحمديه عليها.. ربنا خيره كتير ولو آمنتي ان في كل شيء بيصيبك خير.. هترتاحي يابنتي.
كلماتها كانت كنبع ماء مر علي فؤادها الحار فأطفأ لهيبه وأعاد تجديد خلاياه.. شعرت بهدوء وطمأنينة لم تشعر بهما منذ أن كان هو حدها_والدها رحمه الله_يطيب بكلماته جروحها ويشفي بحنانه الألم.
ابتسمت بحب تردد هامسة:
_اللهم لك الحمد والشكر.
_____________________
_مش عارفة ياخديجة، من زمان محستش براحة نفسية زي اللي حسيتها وأنا بينهم، وكأني في بيتي.. وسط أهلي.. احساس محستوش غير مع بابا الله يرحمه ومعاكي.
_سامعة في صوتك قلق غريب ياريم، ايه المشكلة لما تحسي الاحساس ده معاهم؟
هل تخبرها أنها تخشي التعلق بهم ثم الرحيل مجبرة عنهم؟ لقد شعرت اليوم وهي تغادر منزلهم يُوصلها جهاد إلي أقرب سيارة أجرة أنها تترك روحها هناك_ معهم داخل جدران هذا المنزل_ فماذا لو اقتربت أكثر؟ لاحترقت بلهيب الفراق.. ثم ما الذي قد يربطها بهم في يوم من الأيام؟أقصي ما تستطيع تقديمه إليهما هي صداقة لا أكثر؟ تري هل سيتقبلها ماجد بعد زواجها منه؟ بالطبع لا.
زواجها منه……
نفور عجيب في روحها ينبثق ماإن تخطر الفكرة علي بالها.. هل يجب عليها أن تمعن التفكير مرة أخري في قرارها الزواج من ماجد أم ترضخ لرغبة والدها قبل أن يذهب لمثواه الأخير؟
أفاقت من افكارها علي صوت خديجة تقول بقلق:
_ريم.. روحتي فين؟ قوليلي بس ايه اللي قلقك بالشكل ده؟
حاولت ريم أن تُبعد خديجة عن الخوض في هذا الأمر وليس لديها حتي الآن أي تفسير لمشاعرها الجديدة عليها، لتقول بمرح مصطنع:
_سيبك مني وقوليلي فين الباشمهندس.. اتأخر كدة ليه؟ أوعي يكون عامل فيكِ مقلب ومش هييجي.. وقتها هيعلقك باباكي من رجليكي ويمدك زي مستر فوزي، مدرس الرياضة في ابتدائي.. فاكرة ولا نسيتي؟
_بس ورحمة باباكي ياريم.. ده نفس كلام ماما اللي بتقولهولي، طبعاً عمي صفوت الجواهرجي بتاعنا قالها عن اللي عملته ومن وقتها وهي بتقولي هياخد دهبك ومش هتشوفيه تاني يافالحة ووقتها باباكي مش هيرحمك لما يعرف.
_ماانتِ هبلة.. حد برضه لما يحب يغير دهبه يروح للجواهرجي بتاعهم؟ ماالطبيعي انه يبلغ أهلك.
أشاحت بيدها قائلة:
_أهو اللي حصل بقي.. مندفعة ومتهورة ومبفكرش عارفة بس بتعلم وواحدة واحدة تصرفاتي هتظبط، ماانا مش هفضل هبلة طول عمري.
_لأ هتفضلي.
_ريم!
_خلاص ياستي متتعصبيش هنسيب الهزار ونتكلم جد حبة.
لتعتدل قائلة بجدية:
_هسألك سؤال وتجاوبيني عليه بصراحة.. انتِ من جواكي مقتنعة بكلام والدتك؟
_لأ طبعا يحيي مستحيل يعمل كدة.. معنديش ذرة شك فيه، بالعكس انا واثقة فيه ثقة من غير حدود.
_يبقي اهدي واستني والغايب حجته معاه زي مابيقولوا.
_عارفة إنه أكيد معذور وان تأخيره بسبب لكن برضه متغاظة، مفيش تليفون يعتذر بيه عن التأخير ويقول أسبابه.
_ماجايز مفيش عنده شبكة أو تليفونك اللي فاصل شبكة، وبعدين متصلتيش انتِ بيه ليه؟
_خفت يقول مش واثقة فيه وبتأكد انه جاي ومش هيهرب بدهبي.
_خايبة.. زي ماثقتك في يحيي من غير حدود أكيد ثقته فيكي من غير حدود ومستحيل يفكر بالطريقة دي..أكيد لما حبك عرفك وفهمك زي ماانتِ فهمتيه ومستحيل يشك انك بتفكري بالأسلوب ده، وبعدين اللي تآمن واحد علي روحها وتقف جنبه زي ماوقفتي معاه مستحيل هتبص لشوية دهب وتخاف عليهم منه.. مستحيل طبعاً ولا إيه؟
_معاكِ حق ياريم.. أنا هتصل بيه حالاً.
لتمسك هاتفها وتفتحه ثم تضرب رأسها بخفة قائلة:
_الموبايل فاصل شحن.
_مش قلتلك.
وضعت الهاتف علي الشاحن بسرعة وفتحته وما ان فعلت حتي جاءها اتصالاً منه علي الفور لتهتف بحماس وقد علت خفقات قلبها وتسارعت بقوة:
_يحيي ياريم.. يحيي.
ابتسمت ريم بينما تردف خديجة بلهفة:
_أيوة يايحيي.. انت فين؟
_معلش ياقلبي اتأخرت عليكي، العربية عملتها معايا وبقالي ساعتين بحاول أشغلها، كنت خلاص قربت أيأس وأسيبها وأركب تاكسي بس الحمد لله اشتغلت أهي وانا في السكة.. حاولت أكلمك كتير بس الشبكة مكنتش بتجمع وفي الآخر لقيت تليفونك مقفول وتليفون والدك برضه خارج التغطية..ديجا.
_عيون ديجا.
_عاملك مفاجأة حلوة قوي.. ثواني وأكون عندك.. بحبك ياديجا.. بحبببببك.
_أنا كمان بحبك ومستنياك.. سلام ياحبيبي.
_سلام ياقلب حبيبك.
أغلقت الهاتف تضمه إلي صدرها بقوة قائلة بسعادة :
_يحيي جاي ياريم.. جاي.
اتسعت ابتسامة ريم تسعد لسعادة صديقتها وتدعوا لها في سرها بأن يتم سعادتها ويزيد من أفراحها دائماً وأبداً.
_________________
كانوا معي.. يشاركوني أمواج بحر الحياة، يرشدوني سبيل النجاة ويمسكون بيدي وكأنهم طوق يحميني من الغرق، ثم رحلوا فصرت أتخبط بين أمواج البحر العاتية، أعافر كي لا يجذبني التيار.. أحاول الصمود بكل قوة ولكن البحر هائج وقواي تخور أمام قسوته وظلماته التي لا تتخللها الأنوار.
لقد أصبحت هزيلة بعد رحيل أحبتي وصارت الحياة لامعني لها ولا لذة، وفي حنايا القلب استقرت لوعة طالبتني بالاستسلام فكدت أستسلم وأرحل بدوري إلي حيث ألقي الأحبة، وما كدت أفعل حتي ظهر فجأة أمامي شعاع من نور انتشلني من يأسي ومنحني بعض الأمل، خشيت أن يكون وهماً فلم أحاول الاقتراب ولكنه هو من اقترب وأضاء ليلي الداهم فانبثق الأمل بالقلب ساطعاً وتسرب في شراييني، يتبدد الحزن من قلبي رويداً رويداً ويحل محله شعوراً بالطمأنينة والثقة في النجاة أرفض أن أرفع راية الاستسلام وأطالب روحي بالحياة.
ربما أخشي هذه الأمل ولكني رغما عني أتمسك به، ينساق قلبي له وكأنه قدري الذي خلقت لأجله.. وكأنه كُتب علي الخوض بين أيام الحياة ولياليها أعيش كل مشاعرها.. فحياة تنبض بالمشاعر أفضل ألف مرة من حياة فقدت النبض تحتضر دون شعاع من أمل.
أفاقت من أفكارها علي صوت مدربها وهو يقول :
_لأ ياريم.. انتِ مش معايا خالص النهاردة.. مش مركزة بالمرة.. ياتري ايه اللي شاغلك بالشكل ده؟
قالت بارتباك:
_آسفة يا آنكل هادي.. أنا فعلا مش مركزة وياريت نأجل التدريب ليوم تاني بعد اذنك.. لو يعني مش هيسببلك تأجيلي أي تعب.
_تعب ايه يابنتي؟ده انتِ بنت صديق عمري ورفيق الغربة_صادق الله يرحمه_يعني بنتي.. تقدري تأجليه طبعاً زي ماانتِ عايزة، المهم انك تراجعي قرارك وتفكري بجدية تعزفي في الحفلة الجاية، بجد هنبسط قوي لو غيرتي رأيك.. انتِ موهبة جميلة وقوية وحقيقي خسارة متظهرش للنور.
ظهر الاسف علي ملامحها الجميلة وهي تقول:
_كان بودي والله ياعمي بس غصب عني.. مش هقدر اعزف قصاد الجمهور وأنا…..
تركت جملتها معلقة فربت هادي علي يدها قائلاً بحنان:
_مفيش حاجة في الدنيا تمنع عازف انه يعزف قصاد جمهوره ويخرج موهبته للنور، الحواجز احنا اللي بنحطها بينا وبين الجمهور ياريم،واحنا بس اللي نقدر نشيلها لو آمنا انها مش لازم تكون موجودة.
نهضت تقول بتوتر:
_من فضلك ياآنكل، لو بجد بتحبني زي بنتك يبقي بلاش نتكلم في الموضوع ده.. علي الأقل في الفترة دي.
طالعها هادي للحظات قبل أن يهز كتفيه بقلة حيلة، يقول بهدوء:
_أنا هسكت بس هدعيلك تخطي حواجزك وتقدري تخرجي من الدايرة اللي قفلتيها علي نفسك لإنك لو مقدرتيش هتبقي خسارة كبيرة للناس وليكِ انتِ كمان ياريم.
_أنا.. أنا مضطرة أمشي.. عن إذنك.
غادرت بسرعة تحمل آلتها الموسيقية تتخبط قليلاً وهو يتابعها بعينيه حتي غابت عن ناظريه قبل أن يهز رأسه بيأس ويعود لنوتته الموسيقية.
بينما جلست هي في السيارة تلتقط أنفاسها بصعوبة، تشعر بالإختناق، ترغب من كل قلبها أن تلبي طلب مدربها بل تلبي رغبة قلبها بالعزف أمام الجميع ففي العزف أمام جمهور لذة لا تضاهيها لذة، ولكن يمنعها عجزها الذي ولّد بداخلها ضعف و خوف من تنمر الناس عليها كما فعل هذا الرجل بالنادي وغيره ممن شاهدت منذ إصابتها بالعمي، فنفوس البشر مريضة كما اكتشفت وهي لن تسمح لهم بأن يمارسوا عقدهم عليها.. لن تسمح لهم بجرحها مجدداً كما فعلوا في السنة المنصرمة أكثر من مرة.
وجدت نفسها تمسك هاتفها وتبحث صوتياً عن رقمه.. تترك له رسالة حتي يلاقيها عند الشاطئ ثم تغلق الهاتف وتطلب من العم مصطفي أن يوصلها إليه بأقصي سرعة لديه.
______________________
هل اختلف المكان باختلاف الصحبة؟
نعم بكل تأكيد..
فقد عبق المكان بجمال حضورك وكأنني في عالم أسطوري صفت سماؤه بعد خريف عاصف وتجملت أركانه حتي صار جنة الله في الأرض.
دعيني أخبرك عن شعوري وأنتِ حدي..
ولكن في البداية دعي عيناي تصفك؟
كيف أصف جمالاً تعجز عن استيعابه خلاياي؟
انتظري قليلاً..
سأحاول..
لا.. لن أستطيع..
لا يمكنني وصف روعة تفاصيلك..
أقولها بيقين قلبي..
لا تشبهين أحداً..
أكتفي بها وصفاً وتعبيراً.
تأمل جهاد ملامحها الجميلة يتحدث قلبه بماعجز عنه لسانه..
هل أخبرك جميلتي عن مشاعري نحوك؟
من نغماتك بدأت قصتي وثورة أحاسيسي وسحر خلب لبي حتي صار عشقاً..
وحين تطلعتي إليّ بمقلتيكِ الحائرتين المضطربتين صرت لكِ عبداً لن يتزحزح عن محرابك أبداً..
ظلك الذي يخشي عليكِ من نسمات الهواء وقطرات المطر..
مجنونك الذي لن يهدأ حتي تصبحين ليلاه..
أما أنتِ فصرتي لي زهرة لن تذبل قط أوراقها أرشف منها حد الإنتشاء..
وليل عشقته أشاركك فيه ظلمائه بنور من لهيب قلبي يشعله دون احتراق فيصير الليل نهاراً لازوال له..
أتعلمين؟
في قربك أتمني أن أضمك بين أضلعي ثم يتوقف الزمن فأحتفظ بك بين جوارحي حية حتي تقوم الساعة فأطالب بكِ عروساً لي وأكتفي.
نعم أكتفي.. لا تتعجبين.. إنه اليقين..
خلقك ربي أجمل من حور العين..
وزرع بروحك طيب الأصل والنقاء وحب الخير والمساكين ..
خلقك ربي من نور كالملائكة..
فصرتي حبيبتي في قلبي وعيني..
لا تشبهين أحداً.
رفعت أناملها تعيد خصلة من شعرها خلف أذنها باضطراب أثار خفقاته ولهاً وهو يتأمل تفاصيلها الرائعة، تقول بتوتر:
_جهاد.. ساكت ليه؟
_عايزة الحقيقة؟
_أكيد.. ومش مستنية منك غيرها.
ابتسم لثقتها فيه قبل ان يقول بصوته عميق النبرات:
_مدربك معاه حق.. أنا سمعتك.. يعني عارف قد ايه حجم موهبتك وعايز أقولك ان عزفك لما سمعته طيرني فوق هناك.. عند السحاب.. حسيت اني بسمع معزوفة من الجنة، العزف مش نوتة ونغمات وبس.. العزف روح بيحطها العازف جوة نغماته فبيديها حياة.. نبض ومشاعر بتسحر وتخلينا احنا_مخلوقات ربنا_عاجزين عن الحركة أو حتي الرمش بعيونا لغاية ماتخلص المعزوفة ووقتها بنقول من كل قلوبنا الله.. وبنتمني نعيش التجربة من تاني.. انتِ في ايدك نعمة حرام تضيعيها عشان أوهام في دماغك ملهاش أي أساس من الصحة.. الناس لما بتسمع معزوفة جميلة من عازف مبيبصوش علي شكله ولا بيهتموا بطوله وقصره أو لون بشرته وملامحه قد اهتمامهم بموهبته وقد ايه بجمالها وروعتها وحجمها قدر يوصل لقلوبهم،عندك مثلاً بيتهوفن.. هل وقف صممه قدام موهبته؟بالعكس محصلش وقدر يقدم أعظم أعماله لجمهوره رغم انه مكنش قادر يسمعها.. وليه نبعد؟عمار الشريعي الله يرحمه.. أعظم ملحن وناقد وعازف.. هل وقف أي شيء بينه وبين تقديم موهبته للجمهور وتحقيق نجاحه؟لأ طبعاً.. وانتِ كمان ياريم متخليش وهم في دماغك يهيأ لك ان الناس مش هتتقبل تسمع نغماتك أو حتي هتتنمر عليكي لإن ده مش هيحصل، صدقيني وقت ماهيسمعوكي مش هيشوفوا غير اللي شوفته فيكي يوميها.
_شفت إيه؟
_حورية بحر كانت واقفة قدامي بتعزف مقطوعة من الجنة، احترت يومها وأنا بسأل ياتري هي مين؟ حورية بحر فعلا ولا ملاك من الجنة؟ولحد دلوقتي لسة ملقتش لسؤالي إجابة.
أعادت مجددا خصلة شعرها الثائرة خلف أذنها وهي تمسح لسانها بشفتيها وتبتلع ريقها بصعوبة قائلة:
_مش للدرجة دي ؟
مال يهمس حتي لفحت أنفاسه الحارة وجهها قائلا:
_مشكلتك انك مش شايفة نفسك بعنينا، لو حصل صدقينا هتعزفي قدام الكل من غير تردد.
تراجعت رُغماً عنها تشعر بالضعف بعد أن بدأ جسدها يميل نحوه وكأن كلماته عانقتها بفيض من مشاعر فتمنت لو احتوتها ذراعيه بذات الفيض..لتقول بارتباك:
_أوعدك بعد الكلام ده أفكر بس ده لو وعدتني انت كمان بوعد.
_أؤمريني ياريم.
ياالله بالله عليك لا تزد فأنا بالكاد أتمسك بكل ذرة تعقل في كياني كي لا أقر أمامك الآن وأخبرك أنك تتسلل إلي قلبي كتسلل كلماتك إلي عقلي وروحي، أخشي انك تحتلني رويداً رويداً وتهدم دفاعاتي دون جهد لأعلنك قريباً ملكاً علي قلبي.. دون منازع.
_عايزاك توافق إني أخرج الست حورية من البيت وأوديها لدكتور أنا متأكدة انه هيقدر يساعدها ويخليها تمشي من تاني علي رجليها.
صمت طويل من جانبه جعلها تقطب جبينها باضطراب قائلة:
_جهاد.. أنا ضايقتك؟
_بالعكس.
ذبذبات صوته التي نضحت بمشاعر كثيرة أثارت القشعريرة بقلبها وهو يردف :
_ولو إني متأكد ان مفيش دكتور يقدر يساعد والدتي علي المشي مرة تانية لإني حقيقي مسبتش دكتور مروحتلوش.. قصدي يعني مسألتوش علي النت.. لكن قصاد طيبة قلبك دي وحبك للخير وخصوصاً إني وعدتك بالموافقة علي طلبك قصاد تفكيرك في طلبي.. حددي اليوم وإحنا معاكي ياريم.
قالت ريم بحماس:
_أنا مش عارفة أشكرك ازاي علي موافقتك دي.. وصدقني هتفرق كتير بين سؤال علي النت وحضور والدتك قدام الدكتور ومعاينته لحالتها.
صمت مجدداً فقالت:
_سكت تاني ليه؟ أوعي أكون ضايقتك.. أنا مش قصدي أقلل من مجهودك وتعبك ومحاولتك مساعدة مامتك.. أنا….
قاطعها قائلاً بنبرة حب جائتها واضحة لأول مرة خالصة لا ريب فيها:
_انتِ مفيش منك ياريم ويابخت اللي هتكوني من نصيبه.
شعرت باضطراب في كل كيانها، حاولت الهرب من هذه المشاعر التي أحاطتها في هذه اللحظة إثر كلماته ونبراته المشبعة بالحب فوجدت نفسها تتصرف كطبيب وجد في بتر ساق المريض انقاذاً له لتقول بنبرات حاولت جعلها مرحة قدر الإمكان:
_مش قصدك ماجد؟ خالته داعياله بقي.. المهم هنتغدي فين لإني جوعت قوي.
أتذكره بالتزامها أم تذكر نفسها؟ في كلتا الحالتين هناك مرارة بالحلق وغصة بالقلب ظهرت بنبرات صوتها رُغماً عنها فوجدت صداها بصوته وهو يقول:
_صدقيني مش مهم المكان، المهم حاجة تانية خالص.
لم تسأله عنها ولم يوضح أكثر والمقصد كان واضحاً كالشمس.. المهم هو أنهما معاً حتي وإن كان الوضع… مؤقتاً.
_____________
_ريمو ياريمو.. انتِ فين يابنتي بكلمك بقالي يومين وتليفونك مقفول؟
_مواويل ياياديجا لما أشوفك هحكيلك، بس قوليلي وش صوتك بيضحك وكأنك كسبتي اليانصيب.
_يحيي ياريمو كان عاملي مفاجأة إنما إيه فرحتني بشكل.
_خير ياقلبي.
_خير طبعاً ياوش الخير، يحيي ورث أرض من عمه اللي مات، فاكراه اللي قولتلك عليه من أسبوعين كده.
_أيوة اللي كان عايش في أمريكا ومكنش يحيي يعرف عنه حاجة.
_هو ده.. عمه ده بقي الله يرحمه ويبشبش الطوبة اللي تحت راسه مكنلوش ولاد وساب لوريثه اللي هو يحيي يعني مزرعة وبيت بفلوس كتيرة والمحامي باعهم وحول له الفلوس، فيحيي راح للصايغ ورجع دهبي واشترالي فوقهم كمان، أنا مبسوطة قوي ياريم، مش عشان الدهب رجعلي، لأ.. عشان يحيي مبسوط، أول مرة ألاقيه مبسوط قوي بالشكل ده.
_مبارك ياقلبي أنا، ربنا يسعدكم كمان وكمان.
_ويسعدك يااحلي ريمو يارب، يلا بقي انتِ كمان فرحيني وقوليلي كنتِ غطسانة فين بقالك يومين.. انا بقول تديني الموجز لإني مش هقدر أستني لبكرة والحكاية شكلها فيها حاجة حلوة، صوتك انتِ كمان بيقولي كدة.
_الحكاية كبيرة قوي ياديجا مش هينفع أحكيلك عنها في التليفون.
_قلقتيني، هقوم ألبس وأجيلك حالاً.
أسرعت تقول:
_لا لا لا.. مش هينفع هنا، أقولك قابليني في الكافيه اللي جنب البيت قدامك قد ايه؟
_نص ساعة بالكتير.
_هستناكي.. سلام.
_سلام ياحب.
أغلقت ريم الهاتف ثم نهضت لتبدل ملابسها لا تدري ماالحجة التي ستقولها لسندس عن سبب خروجها، لتوقن أنها ستجد واحداً ماإن تنتهي بكل تأكيد، تدرك أنها ستكذب لأول مرة في حياتها ولكن زوجة أبيها هي السبب فلا تلوم سوي حالها. عرض أقل
•تابع الفصل التالي “لا تشبهين احدا ” اضغط على اسم الرواية